بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون .
وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين . ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال
أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا ، قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون .
قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى
شرح
سيبويه بقولهم دعني ولا أعود بمعنى : دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني ، ويجوز أن يكون معطوفا على نرد
أو حالا على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل تحت حكم التمني . فإن قلت : يدفع ذلك قوله
وإنهم لكاذبون لأن المتمني لا يكون كاذبا ؟ قلت : هذا تمن قد تضمن معنى العدة فجاز أن يتعلق به التكذيب كما
يقول الرجل : ليت الله يرزقني مالا فأحسن إليك وأكافئك على صنيعك ، فهذا متمن في معنى الوعد ، فلو رزق
مالا ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب كأنه قال : إن رزقني الله مالا كافأتك على الإحسان . وقرئ ولا
نكذب ونكون بالنصب بإضمار أن على جواب التمني ومعناه : إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين ( بل بدا لهم
ما كانوا يخفون من قبل ) من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرا ،
لا أنهم عازمون على أنهم لو ردوا لآمنوا ، وقيل هو في المنافقين وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه ، وقيل
هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ردوا إلى الدنيا
بعد وقوفهم على النار ( لعادوا لما نهوا عنه ) من الكفر والمعاصي ( وأنهم لكاذبون ) فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون
به ( وقالوا ) عطف على لعادوا : أي ولو ردوا لكفروا ولقالوا ( إن هي إلا حياتنا الدنيا ) كما كانوا يقولون قبل
معاينة القيامة . ويجوز أن يعطف على قوله وإنهم لكاذبون على معنى : وإنهم لقوم كاذبون في كل شئ ، وهم
الذين قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ، وكفى به دليلا على كذبهم ( وقفوا على ربهم ) مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال
كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاتبه ، وقيل وقفوا على جزاء ربهم ، وقيل عرفوه حق التعريف ( قال )
مردود على قول قائل قال : ماذا قال ربهم إذا وقفوا عليه ؟ فقيل قال ( أليس هذا بالحق ) وهذا تعيير من الله
تعالى لهم على التكذيب ، وقولهم لما كانوا يسمعون من حديث البعث والجزاء ما هو بحق وما هو إلا باطل ( بما كنتم
تكفرون ) بكفركم بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها ، وقد حقق الكلام فيه في مواضع أخر ، و ( حتى ) غاية
لكذبوا لا لخسر لأن خسرانهم لا غاية له : أي ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجئ الساعة . فإن قلت :
أما يتحسرون عند موتهم ؟ قلت : لما كان الموت وقوعا في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة