ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين . انظر كيف كذبوا على
أنفسهم ، وضل عنهم ما كانوا يفترون . ومنهم من يستمع إليك ، وجعلنا على
قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا )
شرح
وحسرتهم ( فتنتهم ) كفرهم ، والمعنى : ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به
وقالوا دين آبائنا لا جحوده والتبرؤ منه والحلف على الانتفاء من التدين به ، ويجوز أن يراد : ثم لم يكن جوابهم
إلا أن قالوا ، فسمى فتنة لأنه كذب . وقرئ تكن بالتاء وفتنتهم بالنصب ، وإنما أنث أن قالوا لوقوع الخبر
مؤنثا كقولك : من كانت أمك وقرئ بالياء ونصب الفتنة وبالياء والتاء مع رفع الفتنة . وقرئ ربنا بالنصب
على النداء ( وضل عنهم ) وغاب عنهم ( ما كانوا يفترون ) أي يفترون إلهيته وشفاعته . فإن قلت : كيف يصح
أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته ؟ قلت : الممتحن ينطق بما ينفعه
وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشا ، ألا تراهم يقولون ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون وقد أيقنوا بالخلود
ولم يشكوا فيه ، ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقد علموا أنه لا يقضى عليهم ، وأما قول من يقول معناه :
ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا ، وحمل قوله انظر كيف كذبوا على أنفسهم : يعني
في الدنيا فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عي وإفحام ، لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا
الكلام بمترجم عنه ولا منطبق عليه وهو ناب عنه أشد النبوة وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى
- يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون - بعد قوله
- ويحلفون على الكذب وهم يعلمون - فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا ( ومنهم من يستمع إليك ) حين
تتلو القرآن . روى أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر : يا أبا قتيلة ما يقول محمد ؟ فقال : والذي جعلها بيته : يعني الكعبة ،
ما أدري ما يقول ، إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية ، فقال
أبو سفيان : إني لأراه حقا ، فقال أبو جهل : كلا فنزلت . والأكنة على القلوب والوقر في الآذان مثل في نبو
قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته ، ووجه إسناد الفعل إلى ذاته وهو قوله وجعلنا للدلالة على أنه أمر ثابت
فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه ، أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم : وفي آذاننا وقر ، ومن