يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية
من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون . وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون .
واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين .
ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه
شرح
الشاهدة على صحتها العقول كراهة أن تقولوا ( يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) لم ننبه عليه ( أو ) كراهة أن
( تقولوا إنما شرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ) فاقتدينا بهم لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه
قائم معهم ، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء ، كما لا عذر لآبائهم في الشرك
وأدلة التوحيد منصوبة لهم . فإن قلت : بنو آدم وذرياتهم من هم ؟ قلت : عنى ببني آدم أسلاف اليهود الذين
أشركوا بالله حيث قالوا عزير ابن الله ، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخلافهم
المقتدين بآبائهم ، والدليل على أنها في المشركين وأولادهم قوله - أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل - والدليل على
أنها في اليهود الآيات التي عطفت عليها هي والتي عطفت عليها وهي على نمطها وأسلوبها ، وذلك قوله - واسألهم
عن القرية - وإذ قالت أمة منهم لم تعظون - وإذ تأذن ربك - وإذ نتقنا الجبل فوقهم - واتل عليهم نبأ الذي آتيناه
آياتنا - ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) أي كانوا السبب في شركنا لتأسيسهم الشرك وتقدمهم فيه وتركه سنة لنا
( وكذلك ) ومثل ذلك التفصيل البليغ ( نفصل الآيات ) لهم ( ولعلهم يرجعون ) وإرادة أن يرجعوا عن شركهم
نفصلها . وقرئ ذريتهم على التوحيد وأن يقولوا بالياء ( واتل عليهم ) على اليهود ( نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ
منها ) هو عالم من علماء بني إسرائيل ، وقيل من الكنعانيين اسمه بلعم بن باعوراء أوتي علم بعض كتب الله فانسلخ
منها من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره ( فأتبعه الشيطان ) فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له ، أو
فأتبعه خطواته . وقرئ فاتبعه بمعنى فتبعه ( فكان من الغاوين ) فصار من الضالين الكافرين . روى أن قومه
طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن معه ، فأبى وقال : كيف أدعو على من معه الملائكة ، فألحوا عليه ولم يزالوا
به حتى فعل ( ولو شئنا لرفعناه بها ) لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات ( ولكنه أخلد إلى
الأرض ) مال إلى الدنيا ورغب فيها ، وقيل مال إلى السفالة . فإن قلت : كيف علق رفعه بها ، بمشيئة الله تعالى ولم يعلق
بفعله الذي يستحق به الرفع ؟ قلت : المعنى ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها ، وذلك أن مشيئة الله
تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات ، فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل : ولو لزمها لرفعناه
بها ، ألا ترى إلى قوله : - ولكنه أخلد إلى الأرض - فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون لو