وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون . والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم
من حيث لا يعلمون . وأملي لهم إن كيدي متين . أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة
إن هو إلا نذير مبين . أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من
شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون . من يضلل
الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون .
شرح
واشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز . لما قال - ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا - فأخبر أن كثيرا من الثقلين عاملون
بأعمال أهل النار أتبعه قوله ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقول إذا
قرأها " هذه لكم ، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق " وعنه صلى الله عليه
وسلم " إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى عليه السلام " وعن الكلبي : هم الذين آمنوا من أهل الكتاب ،
وقيل هم العلماء والدعاة إلى الدين . الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد
درجة ، قال الأعشى :
فلو كنت في جب ثمانين قامة * ورقيت أسباب السماء بسلم
ليستدرجنك القول حتى تهره * وتعلم أني عنكم غير مفحم
ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه ، وأدرج الكتاب طواه شيئا بعد شئ ، ودرج القوم مات بعضهم
في أثر بعض ، ومعنى ( سنستدرجهم ) سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ( من حيث
لا يعلمون ) ما يراد بهم ، وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع أنهماكهم في الغي ، فكما جدد عليهم نعمة ازدادوا
بطرا وجددوا معصية ، فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ظانين أن مواترة النعم أثرة من الله وتقريب وإنما
هي خذلان منه وتبعيد ، فهو استدراج الله تعالى ، نعوذ بالله منه ( وأملي لهم ) عطف على سنستدرجهم وهو داخل
في حكم السين ( إن كيدي متين ) سماه كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان
( ما بصاحبهم ) بمحمد صلى الله عليه وسلم ( من جنة ) من جنون وكانوا يقولون شاعر مجنون . وعن قتادة " أن النبي
صلى الله عليه وسلم علا الصفا فدعاهم فخذا فخذا يحذرهم بأس الله ، فقال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون بات
يهوت إلى الصباح " ( أو لم ينظروا ) نظر استدلال ( في ملكوت السماوات والأرض ) فيما تدلان عليه من عظم الملك
والملكوت الملك العظيم ( وما خلق الله من شئ ) وفيما خلق الله مما يقع عليهم اسم الشئ من أجناس لا يحصرها العدد
ولا يحيط بها الوصف ( وأن عسى ) أن مخففة من الثقيلة والأصل وأنه عسى على أن الضمير ضمير الشأن . والمعنى :
أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ( أن يكون قد اقترب أجلهم ) ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعوا إلى
النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مغافصة الأجل وحلول العقاب . ويجوز أن يراد باقتراب الأجل اقتراب الساعة
ويكون من كان التي فيها ضمير الشأن . فإن قلت : بم يتعلق قوله ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) ؟ قلت : بقوله