( بئيس بما كانوا يفسقون . فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين .
وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك
لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم . وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون
ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون . فخلف من
بعدهم خلف
شرح
نحوا من اثني عشر ألفا ، وثلث قالوا : لم تعظون قوما ، وثلث هم أصحاب الخطيئة ، فلما لم ينهوا قال المسلمون :
إنا لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب ، ولعنهم داود عليه السلام ، فأصبح الناهون
ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن للناس شأنا ، فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة ،
ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءهم من الانس والانس لا يعرفون أنسباءهم من القرود ، فجعل
القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي ، فيقول ألم ننهك ؟ فيقول برأسه بلى . وقيل صار الشباب قردة والشيوخ خنازير .
وعن الحسن أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذابا في الآخرة ، هاه وأيم الله
ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ، ولكن الله جعل موعدا والساعة أدهى وأمر
( بئيس ) شديد يقال بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد فهو بئيس . وقرئ بئس بوزن حذر ، وبئس على تخفيف العين
ونقل حركتها إلى الفاء كما يقال كبد في كبد ، وبيس على قلب الهمزة ياء كذيب في ذئب ، وبيئس على فيعل بكسر
الهمزة وفتحها ، وبيس بوزن ربس على قلب همزة بيئس ياء وإدغام الياء فيها ، وبيس على تخفيف بيس كهين
في هين ، وبائس على فاعل ( فلما عتوا عن ما نهوا عنه ) فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه كقوله - وعتوا عن أمر
ربهم - ( قلنا لهم كونوا قردة ) عبارة عن مسخهم قردة كقوله - إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون -
والمعنى أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم ، وقيل فلما عتوا تكرير لقوله - فلما نسوا -
والعذاب البئيس هو المسخ ( تأذن ربك ) عزم ربك وهو تفعل من الإيذان وهو الإعلام ، لأن العازم على الأمر
يحدث نفسه به ويؤذنها بفعله ، وأجرى مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله ، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم
وهو قوله ( ليبعثن ) والمعنى : وإذ حتم ربك وكتب على نفسه ليبعثن على اليهود ( إلى يوم القيامة من يسومهم سوء
العذاب ) فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم فلا تزال
مضروبة عليهم إلى آخر الدهر ، ومعنى ليبعثن عليهم : ليسلطن عليهم كقوله - بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس
شديد - ( وقطعناهم في الأرض أمما ) وفرقناهم فيها فلا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم ( منهم الصالحون ) الذين آمنوا
منهم بالمدينة أو الذين وراء الصين ( منهم دون ذلك ) ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه وهم الكفرة
والفسقة . فإن قلت : ما محل دون ذلك قلت : الرفع وهو صفة لموصوف محذوف معناه : ومنهم ناس منحطون
عن الصلاح ، ونحوه - وما منا إلا له مقام معلوم - بمعنى وما منا أحد إلا له مقام ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات )
بالنعم والنقم ( لعلهم يرجعون ) فينيبون ( فخلف ) من بعد المذكورين ( خلف ) وهم الذين كانوا في زمن رسول