فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم
الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . ساء مثلا القوم الذين
كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون . من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل
فأولئك هم الخاسرون . ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب
لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها
شرح
شئنا في معنى ما هو فعله ، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال : ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ ( فمثله كمثل
الكلب ) فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها ، وهي حال دوام اللهث به
واتصاله ، سواء حمل عليه : أي شد عليه وهيج فطرد ، أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه ، وذلك أن سائر
الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا هيج منه وحرك وإلا لم يلهث ، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعا ، وكان
حق الكلام أن يقال : ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعناه منزلته ، فوضع قوله فمثله
كمثل الكلب موضع حططناه أبلغ حط ، لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك . وعن ابن
عباس رضي الله عنهما الكلب منقطع الفؤاد ، يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه . وقيل معناه : إن وعظته فهو
ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال ، كالكلب إن طردته فسعى لهث ، وإن تركته على حاله لهث . فإن قلت : ما محل
الجملة الشرطية ؟ قلت : النصب على الحال كأنه قيل : كمثل الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالتين . وقيل لما
دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب ( ذلك مثل القوم
الذين كذبوا بآياتنا ) من اليهود بعد ما قرأوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة وذكر القرآن المعجز
وما فيه ، وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به ( فاقصص ) قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم ( لعلهم
يتفكرون ) فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروا نحو سيرته وزاغوا شبه زيغه ويعلمون أنك علمته من جهة الوحي ،
فيزدادوا إيقانا بك وتزداد الحجة لزوما لهم ( ساء مثل القوم ) أي مثل القوم أو ساء أصحاب مثل القوم ، وقرأ
الجحدري ساء مثل القوم ( وأنفسهم كانوا يظلمون ) إما أن يكون معطوفا على كذبوا فيدخل في حيز الصلة
بمعنى : الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم ، وإما أن يكون كلاما منقطعا عن الصلة بمعنى : وما
ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب ، وتقديم المفعول به للاختصاص كأنه قيل : وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى
غيرها ( فهو المهتدي ) حمل على اللفظ ، و ( فأولئك هم الخاسرون ) حمل على المعنى ( كثيرا من الجن والإنس ) هم
المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم . وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ولا ينظرون
بأعينهم إلى خلق الله نظر اعتبار ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر ، كأنهم عدموا فهم القلوب
وإبصار العيون واستماع الآذان ، وجعلهم لإغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه ، وأنه لا يأتي منهم إلا أفعال
أهل النار مخلوقين للنار ، دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار . ومنه كتاب عمر رضي
الله عنه إلى خالد بن الوليد : بلغني أن أهل الشأم اتخذوا لك دلوكا عجن بخمر وإني لأظنكم آل المغيرة ذرء النار