تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون . وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا
شرح
وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه : والذين استمسكوا بالكتاب ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم ) قلعناه ورفعناه كقوله - ورفعنا فوقهم الطور - ومنه نتق السقاء إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه . والظلة كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب . وقرئ بالطاء من أطل عليه إذا أشرف ( وظنوا أنه واقع بهم ) وعلموا أنه ساقط عليهم ، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها ، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ ، وقيل لهم إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم ، فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه ، فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون : هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة . ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله لم يبق جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز ، فلذلك لا ترى يهوديا تقرأ عليه التوراة إلا اهتز وأنغض لها رأسه ( خذوا ما آتيناكم ) على إرادة القول : أي وقلنا خذوا ما آتيناكم ، أو قائلين خذوا ما آتيناكم من الكتاب ( بقوة ) وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه ( واذكروا ما فيه ) من الأوامر والنواهي ولا تنسوه أو اذكروا ما فيه من التعريض للثواب العظيم فارغبوا فيه ، ويجوز أن يراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله - إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا - واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة والإنذار ( لعلكم تتقون ) ما أنتم عليه . وقرأ ابن مسعود وتذكروا . وقرئ واذكروا بمعنى وتذكروا ( من ظهورهم ) بدل من بني آدم بدل بعض من الكل ومعنى أخذ ذرياتهم من ظهورهم : إخراجهم من أصلابهم نسلا وإشهادهم على أنفسهم ، وقوله ( ألست بربكم ؟ قالوا بلى شهدنا ) من باب التمثيل والتخييل ، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم : ألست بربكم ، وكأنهم قالوا : بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك . وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وفي كلام العرب ، ونظيره قوله تعالى - إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون - فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين - وقوله : إذ قالت الأنساع للبطن الحق * قالت له ريح الصبا قرقار ومعلوم أنه لا قول ثم وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى ( أن تقولوا ) مفعول له : أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة