وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ إنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ،
قل لا أشهد ، قل إنما هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون . الذين آتيناهم الكتاب
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . ومن أظلم ممن
افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون . ويوم نحشرهم جميعا ثم
نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون .
شرح
لدلالته على أن الله عز وجل إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شئ شهادة شهيد له ( ومن بلغ ) عطف على
ضمير المخاطبين من أهل مكة : أي لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم ، وقيل من الثقلين ،
وقيل من بلغه إلى يوم القيامة . وعن سعيد بن جبير : من بلغه القرآن فكأنه رأى محمدا صلى الله عليه وسلم ( أئنكم
لتشهدون ) تقرير لهم مع إنكار واستبعاد ( قل لا أشهد ) شهادتكم ( الذين آتيناهم الكتاب ) يعني اليهود والنصارى
( يعرفونه ) يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين معرفة خالصة ( كما يعرفون أبناءهم )
بحلاهم ونعوتهم لا يخفون عليهم ولا يلتبسون بغيرهم ، وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة
نبوته ، ثم قال ( الذين خسروا أنفسهم ) من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين ( فهم لا يؤمنون ) به ، جمعوا
بين أمرين متناقضين ، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه ، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح حيث
قالوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ، وقالوا والله أمرنا بها ، وقالوا والملائكة بنات الله ، وهؤلاء شفعاؤنا عند
الله ، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب ، وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات وسموها سحرا ، ولم يؤمنوا بالرسول
صلى الله عليه وسلم ( ويوم نحشرهم ) ناصبه محذوف تقديره : ويوم نحشرهم كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على
الإبهام الذي هو داخل في التخويف ( أين شركاؤكم ) أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله ، وقوله ( الذين كنتم
تزعمون ) معناه تزعمونهم شركاء فحذف المفعولان . وقرئ يحشرهم ثم يقول بالياء فيهما ، وإنما يقال لهم ذلك على
وجه التوبيخ ، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة فكأنهم غيب
عنهم ، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فيروا مكان خزيهم