تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
ساجدين . قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون . قال فرعون أأمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين . قالوا إنا إلى ربنا منقلبون . وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين . وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ؟
شرح
أنفسهم لله ( آمنتم به ) على الإخبار : أي فعلتم هذا الفعل الشنيع توبيخا لهم وتقريعا . وقرئ آمنتم بحرف الاستفهام ومعناه الإنكار والاستبعاد ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ) إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن يخرجوا إلى هذه الصحراء قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم ، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بني إسرائيل ، وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان . وروى أن موسى عليه السلام قال للساحر الأكبر : أتؤمن بي إن غلبتك ؟ قال لآتين بسحر لا يغلبه سحر ، وإن غلبتني لأومنن بك ، وفرعون يسمع فلذلك قال ما قال ( فسوف تعلمون ) وعيد أجمله ثم فصله بقوله ( لأقطعن ) وقرئ لأقطعن بالتخفيف وكذلك ثم لأصلبنكم ( من خلاف ) من كل شق طرفا ، وقيل إن أول من قطع من خلاف وصلب لفرعون ( إنا إلى ربنا منقلبون ) فيه أوجه : أن يريدوا إنا لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك ، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب ، أو إنا جميعا يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب إلى الله فيحكم بيننا ، أو إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه ( وما تنقم منا إلا أن آمنا ) وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله ، أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان ومنه قوله * ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * ( أفرغ علينا صبرا ) هب لنا صبرا واسعا وأكثره علينا حتى يفيض علينا ويغمرنا كما يفرغ الماء إفراغا . وعن بعض السلف : إن أحدكم ليفرغ على أخيه ذنوبا ثم يقول قد مازحتك : أي يغمره بالحياء والخجل . أو صب علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام وهو الصبر على ما توعدنا به فرعون لأنهم علموا أنهم إذا استقاموا وصبروا كان ذلك مطهرة لهم ( وتوفنا مسلمين ) ثابتين على الإسلام ( ويذرك ) عطف على يفسدوا لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم وكان ذلك مؤديا إلى ما دعوه فسادا والى تركه وترك آلهته ، فكأنه تركهم لذلك ، أو هو جواب لإستفهام بالواو كما يجاب بالفاء نحو قول الحطيئة : ألم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم المودة والإخاء والنصب بإضمار أن تقديره : أيكون منك ترك موسى ويكون تركه إياك وآلهتك . وقرئ ويذرك وآلهتك بالرفع عطفا على أتذر موسى بمعنى أتذره وأيذرك : يعني تطلق له ذلك ، أو يكون مستأنفا أو حالا على معنى أتذره وهو يذرك وآلهتك . وقرأ الحسن ويذرك بالجزم كأنه قيل يفسدوا ، كما قرئ وأكن من الصالحين : كأنه قيل أصدق . وقرأ أنس رضي الله عنه ونذرك بالنون والنصب : أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها . وقرئ ويذرك