ساجدين . قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون . قال فرعون أأمنتم به قبل
أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون .
لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين . قالوا إنا إلى ربنا
منقلبون . وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا
وتوفنا مسلمين . وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض
ويذرك وآلهتك ؟
شرح
أنفسهم لله ( آمنتم به ) على الإخبار : أي فعلتم هذا الفعل الشنيع توبيخا لهم وتقريعا . وقرئ آمنتم بحرف الاستفهام
ومعناه الإنكار والاستبعاد ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ) إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في
مصر قبل أن يخرجوا إلى هذه الصحراء قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم ، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها
بني إسرائيل ، وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان . وروى أن موسى عليه
السلام قال للساحر الأكبر : أتؤمن بي إن غلبتك ؟ قال لآتين بسحر لا يغلبه سحر ، وإن غلبتني لأومنن بك ،
وفرعون يسمع فلذلك قال ما قال ( فسوف تعلمون ) وعيد أجمله ثم فصله بقوله ( لأقطعن ) وقرئ لأقطعن
بالتخفيف وكذلك ثم لأصلبنكم ( من خلاف ) من كل شق طرفا ، وقيل إن أول من قطع من خلاف وصلب
لفرعون ( إنا إلى ربنا منقلبون ) فيه أوجه : أن يريدوا إنا لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا
منك ومن لقائك ، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب ، أو إنا جميعا يعنون أنفسهم
وفرعون ننقلب إلى الله فيحكم بيننا ، أو إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه
( وما تنقم منا إلا أن آمنا ) وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله ، أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب
والمفاخر كلها وهو الإيمان ومنه قوله * ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * ( أفرغ علينا صبرا ) هب لنا صبرا
واسعا وأكثره علينا حتى يفيض علينا ويغمرنا كما يفرغ الماء إفراغا . وعن بعض السلف : إن أحدكم ليفرغ على
أخيه ذنوبا ثم يقول قد مازحتك : أي يغمره بالحياء والخجل . أو صب علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام وهو الصبر
على ما توعدنا به فرعون لأنهم علموا أنهم إذا استقاموا وصبروا كان ذلك مطهرة لهم ( وتوفنا مسلمين ) ثابتين على
الإسلام ( ويذرك ) عطف على يفسدوا لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم وكان ذلك مؤديا إلى ما دعوه فسادا والى تركه
وترك آلهته ، فكأنه تركهم لذلك ، أو هو جواب لإستفهام بالواو كما يجاب بالفاء نحو قول الحطيئة :
ألم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم المودة والإخاء
والنصب بإضمار أن تقديره : أيكون منك ترك موسى ويكون تركه إياك وآلهتك . وقرئ ويذرك وآلهتك
بالرفع عطفا على أتذر موسى بمعنى أتذره وأيذرك : يعني تطلق له ذلك ، أو يكون مستأنفا أو حالا على معنى
أتذره وهو يذرك وآلهتك . وقرأ الحسن ويذرك بالجزم كأنه قيل يفسدوا ، كما قرئ وأكن من الصالحين : كأنه
قيل أصدق . وقرأ أنس رضي الله عنه ونذرك بالنون والنصب : أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها . وقرئ ويذرك