تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
للناظرين . قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ؟ . قالوا أرجئه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين . يأتوك بكل ساحر عليم . وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين . قال نعم وإنكم لمن المقربين . قالوا يا موسى إما أن تلقي
شرح
قلت : : بم يتعلق ( للناظرين ) ؟ قلت : يتعلق ببيضاء ، والمعنى : فإذا هي بيضاء للنظارة ، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب . وذلك ما يروى أنه أرى فرعون يده وقال ما هذه ؟ قال يدك ، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوف ونزعها فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا غلب شعاعها شعاع الشمس ، وكان موسى عليه السلام آدم شديد الأدمة ( إن هذا لساحر عليم ) أي عالم بالسحر ماهر فيه قد أخذ عيون الناس بخدعة من خدعه حتى خيل إليهم العصا حية والآدم أبيض . فإن قلت : قد عزى هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء وأنه قال للملأ وعزى ههنا إليهم . قلت : قد قاله هو وقالوه هم فحكى قوله ثم وقولهم ههنا ، أو قاله ابتداء فتلقنه منه الملأ فقالوه لأعقابهم ، أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي فيكلم به من يليه من الخاصة ثم تبلغه الخاصة العامة ، والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم ( أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين . يأتوك بكل ساحر عليم ) وقرئ سحار : أي يأتوك بكل ساحر مثله في العلم والمهارة أو بخير منه وكانت هذه مؤامرة مع القبط . وقولهم فماذا تأمرون من أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ، وقيل فماذا تأمرون من كلام فرعون ؟ قال الملأ لما قالوا له إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم ، كأنه قيل : قال فماذا تأمرون ؟ قالوا أرجئه وأخاه . معنى أرجئه وأخاه : أخرهما وأصدرهما عنك حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما ، وقيل احبسوهما . وقرئ أرجئه بالهمزة وأرجه من أرجأه وأرجاه . فإن قلت : هلا قيل وجاء السحرة فرعون فقالوا ؟ قلت : هو على تقدير سائل سأل ما قالوا إذ جاءوه فأجيب بقوله ( قالوا أئن لنا لأجرا ) أي جعلا على الغلبة . وقرئ إن لنا لأجرا على الإخبار وإثبات الأجر العظيم وإيجابه كأنهم قالوا لا بد لنا من أجر ، والتنكير للتعظيم كقول العرب : إن له لإبلا وإن له لغنما يقصدون الكثرة . فإن قلت ( وإنكم لمن المقربين ) ما الذي عطف عليه ؟ قلت : هو معطوف على محذوف سد مسده حرف الإيجاب كأنه قال إيجابا لقولهم : إن لنا لأجرا ، نعم إن لكم لأجرا وإنكم لمن المقربين ، أراد إني لا اقتصر بكم على الثواب وحده ، وإن لكم مع الثواب ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتعظيم ، لأن المثاب إنما يتهنأ بما يصل إليه ويغتبط به إذا نال معه الكرامة والرفعة . وروى أنه قال لهم : تكونون أول من يدخل وآخر من يخرج . وروى أنه دعا برؤساء السحرة ومعلميهم فقال له ما صنعتم ؟ قالوا قد عملنا سحرا لا يطيقه أهل الأرض إلا أن يكون أمرا من السماء فإنه لا طاقة لنا به . وروى أنهم كانوا ثمانين ألفا ، وقيل سبعين ألفا ، وقيل بضعة وثلاثين ألفا ، واختلفت الروايات فمن مقل ومن مكثر ، وقيل كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى ، وقيل قال فرعون لا نغالب موسى إلا بما هو منه : يعني السحر . تخييرهم إياه أدب وحسن راعوه معه كما يفعل أهل الصناعات إذ