قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون . قال موسى لقومه استعينوا
بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . قالوا أوذينا
من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم
في الأرض فينظر كيف تعملون . ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من
شرح
وإلاهتك : أي عبادتك . وروى أنهم قالوا له ذلك لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفس ، فأرادوا
بالفساد في الأرض ذلك ، وخافوا أن يغلبوا على الملك . وقيل صنع فرعون لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها
تقربا إليه كما تعبد عبدة الأصنام الأصنام ويقولون - ليقربونا إلى الله زلفى - ولذلك قال - أنا ربكم الأعلى -
( سنقتل أبناءهم ) يعني سنعيد عليهم ما كنا محناهم به من قتل الأبناء ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر
وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا ، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا واستيلائنا ، ولئلا يتوهم العامة أنه هو
المولود الذي أخبر المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده ، فيثبطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتباعه وأنه
منتظر بعد ( قال موسى لقومه استعينوا بالله ) قال لهم ذلك حين قال فرعون : سنقتل أبناءهم فجزعوا منه وتضجروا
يسكنهم ويسليهم ويعدهم النصرة عليهم ويذكر لهم ما وعد الله بني إسرائيل من إهلاك القبط وتوريثهم أرضهم
وديارهم . فإن قلت : لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على التي قبلها ؟ قلت : هي حملة مبتدأة مستأنفة ،
وأما : وقال الملأ فمعطوفة على ما سبقها من قوله : قال الملأ من قوم فرعون . وقوله ( إن الأرض لله ) يجوز أن تكون
اللام للعهد ، ويراد أرض مصر خاصة كقوله : وأورثنا الأرض وأن تكون للجنس ، فيتناول أرض مصر لأنها من
جنس الأرض كما قال ضمرة : إنما المرء بأصغريه ، فأراد بالمرء الجنس وغرضه أن يتناوله تناولا أوليا ( والعاقبة
للمتقين ) بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط وأن المشيئة متناولة لهم . وقرأ والعاقبة للمتقين بالنصب
أبي وابن مسعود عطفا على الأرض ( أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ) يعنون قتل أبنائهم قبل مولد
موسى عليه السلام إلى أن استنبئ وإعادته عليهم بعد ذلك ، وما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم
والمهن ويمسون به من العذاب ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ) تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل وكشف عنه ،
وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر ( فينظر كيف تعملون ) فيرى الكائن منكم من العمل حسنه
وقبيحه وشكر النعمة وكفرانها ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم . وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه دخل على
المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان ، فطلب زيادة لعمرو فلم توجد ، فقرأ عمرو هذه الآية ثم
دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال : قد بقي فينظر كيف تعملون ( بالسنين ) بسني القحط والسنة من
الأسماء الغالبة كالدابة والنجم ونحو ذلك ، وقد اشتقوا منها فقالوا أسنت القوم : أقحطوا . وقال ابن عباس رضي
الله عنه : أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم ، وأما نقص الثمرات فكان أمصارهم . وعن كعب " يأتي