الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم
شرح
فإن قلت : ما محل مهما ؟ قلت : الرفع بمعنى أيما شئ تأتنا به ، أو النصب بمعنى أيما شئ تحضرنا تأتنا به ، ومن
آية تبيين لمهما ، والضميران في به وبها راجعان إلى مهما ، إلا أن أحدهما ذكر على اللفظ والثاني أنث على المعنى
لأنه في معنى الآية ، ونحوه قول زهير :
ومهما يكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا بد له في علم العربية فيضعها غير موضعها ويحسب مهما
بمعنى متى ما ، ويقول مهما جئتني أعطيتك ، وهذا من موضعه وليس من كلام واضع العربية في شئ ، ثم
يذهب فيفسر : مهما تأتنا به من آية بمعنى الوقت فيلحد في آيات الله وهو لا يشعر ، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو
بين يدي الناظر في كتاب سيبويه . فإن قلت : كيف سموها آية ثم قالوا لتسحرنا بها ؟ قلت : ما سموها آية لاعتقادهم
أنها آية وإنما سموها اعتبارا لتسمية موسى وقصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي ( الطوفان ) ما طاف بهم وغلبهم من
مطر أو سيل ، قيل طغى الماء فوق حروثهم وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمسا ولا قمرا
ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره . وقيل أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت
القبط مشتبكة ، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، فمن جلس غرق ولم تدخل بيوت بني
إسرائيل قطرة ، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف ودام عليهم سبعة أيام .
وعن أبي قلابة : الطوفان الجدري ، وهو أول عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض . وقيل هو الموتان . وقيل الطاعون
فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك ، فدعا فرفع عنهم فما آمنوا ، فنبت لهم تلك السنة من
الكلإ والزرع ما لم يعهد بمثله ، فأقاموا شهرا فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل
شئ حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شئ ، ففزعوا إلى موسى ووعده
التوبة فكشف عنهم بعد سبعة أيام ، خرج موسى عليه السلام إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب ،
فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا ما نحن بتاركي ديننا ، فأقاموا شهرا فسلط عليهم القمل وهو الحمنان
في قول أبي عبيدة كبار القردان ، وقيل الدبا وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها ، وقيل البراغيث . وعن سعيد
ابن جبير السوس فأكل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه ، وكان
يأكل أحدهم طعاما فيمتلئ قملا ، وكان يخرج أحدهم عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا يسيرا . وعن سعيد
ابن جبير أنه كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى بعصاه فصار قملا ، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم