ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون . ولقد استهزئ برسل
من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون . قل سيروا في الأرض
ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين . قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ،
كتب على نفسه الرحمة
شرح
هول ما يشاهدون ، ومعنى ثم بعد ما بين الامرين قضاء الامر وعدم الإنظار جعل عدم الانظار أشد من قضاء
الامر ، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة ( ولو جعلناه ملكا ) ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا لأنهم
كانوا يقولون لولا أنزل على محمد ملك ، وتارة يقولون - ما هذا إلا بشر مثلكم - ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة - ( لجعلناه
رجلا ) لأرسلناه في صورة رجل كما كان ينزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعم الأحوال في
صورة دحية لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم ( وللبسنا عليهم ) ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم
حينئذ فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان : هذا إنسان وليس بملك ، فإن قال لهم : الدليل أني ملك أني
جئت بالقرآن المعجز وهو ناطق بأني ملك لا بشر كذبوه كما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، فإذا فعلوا ذلك
خذلوا كما هم مخذولون الآن فهو لبس الله عليهم ، ويجوز أن يراد وللبسنا عليهم حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم
الساعة في كفرهم بآيات الله البينة . وقرأ ابن محيصن " ولبسنا عليهم " بلام واحدة . قرأ الزهري " وللبسنا عليهم ما يلبسون "
بالتشديد ( ولقد استهزئ ) تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه ( فحاق ) بهم فأحاط بهم
الشئ الذي كانوا يستهزئون به وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به . فإن قلت : أي فرق بين قوله :
فانظروا ، وبين قوله : ثم انظروا ؟ قلت : جعل النظر مسببا عن السير في قوله فانظروا ، فكأنه قيل : سيروا
لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين . وأما قوله - سيروا في الأرض ثم انظروا - فمعناه إباحة السير في الأرض
للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح ( لمن
ما في السماوات والأرض ) سؤال تبكيت و ( قل الله ) تقرير لهم : أي هو لله لا خلاف بيني وبينكم ، ولا تقدرون
أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره ( كتب على نفسه الرحمة ) أي أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته ونصب الأدلة لكم