تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
752 - وكتب عليّ بن نصر الكاتب إلى أمرد خرجت لحيته : لكل حادثة يفجع بها الدهر - أحسن اللَّه معونتك - حدّ من القلق والالتياع ، ومبلغ من التحرق والارتياع ، يستوجب فنّا من التعزية ، ويستحقّ نصيبا من العظة والتسلية ، والاختصار فيها لما قرب خطبه وشانه ، والإكثار لما جلّ محله ومكانه ، ومصابك هذا - أعزّك اللَّه - في بياض عارضك لمّا اسودّ كمصابك في سواده إذا ابيضّ ، والألم بنبات روضه جميما ، نظير الألم به يوم يعود هشيما ، فليس أحد يدفع عظم النازل بك ، ولا يستصغر جسيم الطارق لك ، وإن كان ما يتعقبه من المشيب أقذى للعيون وأذلّ ، بيد أنّ الحاضر من النبات الذي تمنيت أن يكون معوزا ، ووددت أرضك دونه جرزا ، ألقى عنك النواظر وكانت ملتفتة إليك ، ووقف عنك الخواطر وكانت موقوفة عليك ، وصيرك قذى الأجفان ، وكنت جلاها ، وجعلك كربة النفوس وكنت هواها ، وأبدلك من أنس التقبل وحشة التنقّل ، وعوضك من رقة الترفرف كلفة التأفف ، فصرت لا ترى إلَّا معرضا ، بعد أن كنت لا ترى إلَّا متعرّضا ، فتبارك الذي صرف عنك الأبصار ، ونقل منك الأوطار ، فكنت إربة الناكح ، فصرت إربة المنكوح ، ولذة الناطح ، فغدوت لذة المنطوح ، فأنت أبلق السّوطين إقبالا وإدبارا ، وصاحب الوزرين ملوطا به ولائطا ، وكاسب الإثمين مسوطا كرّة وسائطا ، فعويلا دائما وبكاء ، وعزاء عن الذكر الجميل عزاء ، فلكلّ أجل كتاب ، وعن كلّ جائحة ثواب . وقد استوفيت أمد الصّبا والصبابة ، واستنبت الحسرة عليها والكآبة ، فرزيّتك راتبة والرزايا سوائر ، ومصيبتك ثابتة والمصائب عوائر ، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون ، لقد فجعت بعلق ما كان أحسن وأجمل ، ثم لا حيلة فإنّها الأيام لا تثبت على حالة ، ولا تعرف غير التنقّل والاستحالة ، تسوء تارة وتسرّ ، وتحلو طورا ثم تمرّ ، سرائرها خبيثة ، ومرائرها نكيثة ، من طيّبت له اعتبطته ، ومن لهت عنه أخرمته ، فآجرك اللَّه في وجه نضب ماؤه ، وذهب رواؤه ، ومات
التذكرة الحمدونية — صفحة 430 | ابن حمدون / احسان عبّاس و بكر عبّاس