تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
725 - وكتب أبو إسحاق الصابي إلى بعض إخوانه : وقد سألتني عن الفرق بين المترسل والشاعر ، وكنت سألتني - أدام اللَّه عزّك - عن السبب في أنّ أكثر المترسلين البلغاء لا يفلقون في الشعر ، وأنّ أكثر الشعراء الفحول لا يجيدون في الترسّل . فأجبتك بقول مجمل ، ووعدتك بشرح له مفصّل ، وأنا فاعل ذلك بمشيئة اللَّه فأقول : إنّ طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه ، لأنّ أفخر الترسل هو ما وضح معناه ، وأعطاك غرضه في أول وهلة سماعه ، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعط غرضه إلا بعد مماطلة منه لك ، وعرض منك عليه . فلما صارت الإصابتان في الأمرين متراميتين على طريقين متباينين بعد على الفراغ أن تجمعهما ، فشرّقت إلى هذا فرقة ، وغرّبت إلى ذاك أخرى ، ومال كلّ من الجميع إلى الجانب الموافق لطبعه . ثم ترتّبوا في المسافة بينهما ، فكان الأفضل من أهل كل مذهب من وقع في الغاية أو قريبا منها ، وجعل الوسط خاليا أو كالخالي لقلة عدد الواقعين فيه . فليس يكاد يوجد جامع بين الإحسانين إلا على شرط يزيد به الأمر تعذرا والعدد تنزرا ، وهو أن يكون طبعه طائعا له ، ممتدا معه ، فإذا دعاه إلى التطرّف به إلى أحد الجانبين أطاعه وانقاد إليه ، كإبراهيم بن العباس الصولي وأبي علي البصير ومن جرى مجراهما ؛ فهذا جواب مسألتك . وتبقى فيها زيادات وانفصالات لا بأس بإيرادها ليكون القول قد استغرق مداها ، وتمت أولاه بأخراه ؛ ذلك أنّ للسائل أن يقول : فمن أية جهة صار الأحسن في معاني الترسّل الوضوح وفي معاني الشعر الغموض ؟ فالجواب أنّ الشعر بني على حدود مقرّرة وأوزان مقدّرة ، وفصّل أبياتا كلّ واحد منها قائم بذاته وغير محتاج إلى غيره إلا ما يتفق أن يكون مضمنا بأخيه ، وهو عيب فيه . فلما كان النفس لا يمكنه أن يمتدّ في البيت الواحد بأكثر من مقدار عروضه وضربه ، وكلاهما قليل ، احتاج إلى أن يكون الفضل في المعنى ، فاعتمد أن يلطف ويدق ، ليصير المفضي إليه والمطلّ عليه بمنزلة الفائز بذخيرة خافية استفادها ، والظافر بخبيئة دفينة استخرجها واستنبطها . ثم إنّ للمتأمّل
التذكرة الحمدونية — صفحة 357 | ابن حمدون / احسان عبّاس و بكر عبّاس