تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وقفات على أعجاز الأبيات ، وقد وضعت لإدراك المعنى والفطنة للمغزى ، وفي مثل ذلك تحسن خفايا الأثر وبعد المرمى . والترسّل مبنيّ على مخالفة هذه الطريقة ومعاكستها ، إذ كان كلاما واحدا لا يتجزّأ ولا ينفصل إلا فصولا طوالا . وهو موضوع وضع ما يهذّ هذّا أو يقرأ متصلا ، ويمر على أسماع شتى الأحوال : من خاصّة ورعية ، وذوي أفهام ذكية وغبيّة . فإذا كان متسهّلا ومتسلسلا ساغ فيها وقرب إذنه في أفهامها ، وتساوقت الألسن في تلاوته ، والألباب في درايته . فجميع ما يستحبّ في الأول يستكره في الثاني ، وجميع ما يستحبّ في الثاني يستكره في الأول ، حتى إن ما قدّمناه من عيب في التضمين في الشعر هو فضيلة في فصول الرسائل . ألا ترى أن حسنها ما كان متعلَّقا بعضه ببعض ، ومقتضيا تعطَّفا من الهوادي على التوالي ، وردّا من الأواخر على المبادي . فمتى خرج الشعر على سنن الابتداع والاختراع فكان ساذجا مغسولا ، فقائله معيب غير مصيب ، والترك له أدلّ على العقل وأولى بذوي الفضل . ومتى خرج الترسّل عن أن يكون جليّا سلسا تعثرت الأسماع في حزونته ، وتحيّرت الأفهام في مسالكه ، فأظلم مشرقه ، وتكدّر رونقه ، وكان صاحبه مستكره الطريقة ، مستهجن الصناعة . وقد بقيت في الباب زيادة أخرى : وهي الإخبار عن سبب قلة المترسلين وكثرة الشعراء ، وعن العلَّة في نباهة أولئك وخمول هؤلاء . فالجواب عن ذلك أنّ الشاعر إنما يصوغ قصيدته بيتا [ بيتا ] ، فهو يجمع قريحته وقدرته على كلّ بيت منها ، فيقرّره ويبلغ إرادته منه ، وله من الوزن والقافية قائد وسائق يقومان له بأكثر حدود الشعر ، فكأنه إنما يحذوه على مثال ، أو يفرغه في قالب مماثل . والمترسّل يصوغ رسالته متّحدة متجمّعة ، ويضمّها من أقطار متراخية متسعة ، وربما أسهب حتى تستغرق الواحدة من رسائله أقدار القصائد الطوال الكثيرة . هذا إلى ما يتعاطاه من فخامة الألفاظ اللائقة بأن يصدر مثلها عن السلطان وإليه ، والتصرّف فيها على ضروب ما تتصرّف عليه أحوال الزّمان وعوارض الحدثان . فلذلك صار وجود المضطلعين بجودة النثر أعزّ ، وعددهم أنزر . فأما ارتفاع