تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة تراثنا — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
فمن أين يأتي الاستنكار وهم ما رووها إلا وهم يعتقدون صحتها ؟ ! وهذا الحديث بالذات مما شهد المعتزلة بأن البكرية وضعته في مقابل الحديث المروي عنه ( ص ) في مرضه : ( ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ) فاختلفوا عنده ، وقال قوم منهم : لقد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله ! ( 41 ) . ومما يشهد لهذا القول ، بل يجعله يقينا لا شك فيه ، ما ثبت عن ابن عباس في وصف اختلافهم عند النبي الذي حال دون كتابة ذلك الكتاب ، فقد كان ابن عباس يصف هذا الحدث بأنه ( الرزية ، كل الرزية ) ويذكره فيقول : ( يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! ) ويبكي حتى يبل دمعه الحصى ( 42 ) فلو كان الأمر كما وصفه الحديث المنسوب إلى عائشة ( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ) لم تكن ثمة رزية يبكي لها ابن عباس كل هذا البكاء ويتوجع كل هذا التوجع . إن بكاء ابن عباس وتوجعه الشديد لهذا الحديث لهو دليل لا شئ أوضح منه على أن الذي أراده النبي ( ص ) من ذلك الكتاب لم يتحقق ، بل تحقق شئ آخر غيره لم يكن النبي ( ص ) أراده ولا أشار إليه أدنى إشارة . وتزداد هذه الحقيقة رسوخا حين ندرك أن ابن عباس هو واحد من سادة بني هاشم الذين لم يبايعوا لأبي بكر إلا بعد ستة أشهر ! ( 43 ) . فمع هذه الثوابت لا يبقى احتمال لصحة الحديث المنسوب إلى عائشة !
هامش
( 41 ) ابن أبي الحديد / شرح نهج البلاغة 11 / 49 . ( 42 ) صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب 17 ح 5345 ، صحيح مسلم - كتاب الوصية ح 15 و 21 و 22 ، مسند أحمد 1 / 324 ، السيرة النبوية - للذهبي - : 384 ، البداية والنهاية 5 / 248 . ( 43 ) السنن الكبرى 6 / 300 ، تاريخ الطبري 3 / 208 ، مروج الذهب 2 / 316 ، الكامل في التاريخ 2 / 331 ، جامع الأصول 4 / 482 .