تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
و " مدرارا " ذا غيث كثير . وجزم " يرسل " جوابا للامر . وقال مقاتل : لما كذبوا نوحا زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر ، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ، فهلكت مواشيهم وزروعهم ، فصاروا إلى نوح عليه السلام واستغاثوا به . فقال " استغفروا ربكم إنه كان غفارا " أي لم يزل كذلك لمن أناب إليه . ثم قال ترغيبا في الايمان : " يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لهم جنات ويجعل لكم أنهارا " . قال قتادة : علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل حرص على الدنيا فقال : ( هلموا إلى طاعة الله فإن في طاعة الله درك الدنيا والآخرة ) . الثالثة - في هذه الآية والتي في " هود " ( 1 ) دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار . قال الشعبي : خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع ، فأمطروا فقالوا : ما رأيناك استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت المطر بمجاديح ( 2 ) السماء التي يستنزل بها المطر ، ثم قرأ : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا " . وقال الأوزاعي : خرج الناس يستسقون ، فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : اللهم إنا سمعناك تقول : " ما على المحسنين من سبيل " ( 3 ) التوبة : 91 ] وقد أقررنا بالإساءة ، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا ؟ ! اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا ! فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا . وقال ابن صبيح : شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له : استغفر الله . وشكا آخر إليه الفقر فقال له : استغفر الله . وقال له آخر . ادع الله أن يرزقني ولدا ، فقال له : استغفر الله . وشكا إليه آخر جفاف بستانه ، فقال له : استغفر الله . فقلنا له في ذلك ؟ فقال : ما قلت من عندي شيئا ، إن الله تعالى يقول في سورة " نوح " : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا .
هامش
( 1 ) راجع ج 9 ص 51 ( 2 ) قال ابن الأثير : " المجاديح " واحدها مجدح والياء زائدة للاشباع . والقياس أن يكون واحدها مجداح . والمجدح : نجم من النجوم ، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر . فجعل الاستغفار مشبها بالأنواء مخاطبة لهم بما يعرفونه ، لا قولا بالأنواء . وجاء بلفظ الجمع لأنه أراد الأنواء جميعها التي يزعمون أن من شأنها المطر . ( 3 ) راجع ج 8 ص 227 .