تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
لا تمر بشئ يجد ريحها إلا حيي ، ولا تطأ على شئ إلا حيي . وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي . ( 1 ) حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس . والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي . قلت : وفي التنزيل " قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ( 2 ) بكم " ، [ السجدة : 11 ] ، " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة " ( 3 ) [ الأنفال : 50 ] ثم " توفته رسلنا " ( 4 ) [ الانعام : 61 ] ، ثم قال : " الله يتوفى الأنفس حين موتها " ( 5 ) [ الزمر : 42 ] . فالوسائط ملائكة مكرمون صلوات الله عليهم . وهو سبحانه المميت على ا لحقيقة ، وإنما يمثل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على الصراط ، حسب ما ورد به الخبر الصحيح . وما ذكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر صحيح يقطع العذر . والله أعلم . وعن مقاتل أيضا : خلق الموت ، يعني النطفة والعلقة والمضغة ، وخلق الحياة ، يعني خلق إنسانا ونفخ فيه الروح فصار إنسانا . قلت : وهذا قول حسن ، يدل عليه قوله تعالى " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " وتقدم الكلام فيه في سورة " الكهف " . ( 6 ) وقال السدي في قوله تعالى : " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي أكثر كم للموت ذكرا وأحسن استعدادا ، ومنه أشد خوفا وحذرا . وقال ابن عمر : تلا النبي صلى الله عليه وسلم " تبارك الذي بيده الملك - حتى بلغ - أيكم أحسن عملا " فقال : ( أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله ) . وقيل : معنى " ليبلوكم " ليعاملكم معا ملة المختبر ، أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره ، وبالحياة ليبين شكره . وقيل : خلق الله الموت للبعث والجزاء ، وخلق الحياة للابتلاء . فاللام في " ليبلوكم " تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت ، ذكره الزجاج . وقال الفراء والزجاج أيضا : لم تقع البلوى على " أي " لان فيما بين البلوى و " أي " إضمار فعل ، كما تقول : بلوتكم لأنظر أيكم أطوع . ومثله قوله تعالى : " سلهم أيهم بذلك زعيم " ( 7 ) [ القلم : 40 ] أي سلهم ثم انظر أيهم . ف‍ " أيكم " رفع بالابتداء و " أحسن " خبره . والمعنى : ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا . ( وهو العزيز ) في انتقامه ممن عصاه . ( الغفور ) لمن تاب .
هامش
( 1 ) راجع ج 11 ص 239 . ( 2 ) راجع ج 14 ص 93 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 28 . ( 4 ) راجع ج 7 ص 7 . ( 5 ) راجع ج 15 ص 260 . ( 6 ) راجع ج 10 ص 395 . ( 7 ) راجع ص 247 من هذا الجزء .