والأرض في الدنيا والآخرة . وقال ابن عباس : بيده الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء
ويحيي ويميت ، ويغني ويفقر ، ويعطي ويمنع . وقال محمد بن إسحاق : له ملك النبوة التي
أعز بها من اتبعه وذل بها من خالفه . ( وهو على كل شئ قدير ) من إنعام وانتقام .
قوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن
عملا وهو العزيز الغفور 2
فيه مسألتان :
الأولى - قوله تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة ) قيل : المعنى خلقكم للموت والحياة ،
يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدم الموت على الحياة ، لان الموت إلى القهر أقرب ،
كما قدم البنات على البنين فقال : " يهب لمن يشاء ( 1 ) إناثا " [ الشورى : 49 ] . وقيل : قدمه لأنه أقدم ، لان
الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوه . وقال قتادة : كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة
ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء ) . وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : ( لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت وإنه مع ذلك لو ثاب ) .
المسألة الثانية : " الموت والحياة " قدم الموت على الحياة ، لان أقوى الناس داعيا
إلى العمل من نصب موته بين عينيه ، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم ( 2 )
قال العلماء : الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف ، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن
ومفارقته ، وحيلولة بينهما ، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار . والحياة عكس ذلك .
وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل : أن الموت والحياة جسمان ، فجعل الموت في هيئة كبش
لا يمر بشئ ولا يجد ريحه إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء - وهي التي
كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها - خطوتها مد البصر ، فوق الحمار ودون البغل ،
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 48 .
( 2 ) هذه عبارة الكشاف أيضا . وعبارة الخطيب الشربيني في تفسيره :
" وقيل إنما قدم الموت على الحياة لان من نصب الموت بين عينيه كان أقوى الدواعي إلى العمل .