تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا ، روى أنه صلى ركعتين ، ثم قال لسليمان : يا نبي الله امدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش ، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده . قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا . وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف ، وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين ، وهذا أشبه ، لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة ، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة ، وكرامة الولي معجزة النبي . قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان ، قال للعفريت : " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " . وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات ، فإن الجن يقدرون على مثل هذا . ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين ، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية ، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها . قال القشيري : ورواه وهب عن مالك . وقد قيل : بل جئ به في الهواء ، قاله مجاهد . وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة . وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام . وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان ، قال عبد الله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض ، فالله أعلم أي ذلك كان . قوله تعالى : ( فلما رآه مستقرا عنده ) أي ثابتا عنده . ( قال هذا من فضل ربى ) أي هذا النصر والتمكين من فضل ربى . ( ليبلوني ) قال الأخفش : المعنى لينظر ( أأشكر أم أكفر ) . وقال غيره : معنى " ليبلوني " ليتعبدني ، وهو مجاز . والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ) أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه ، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها . والشكر قيد النعمة الموجودة ، وبه تنال النعمة المفقودة . ( ومن كفر فأن ربى غنى ) أي عن الشكر ( كريم ) في التفضل .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 206 | القرطبي