تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
مثال الرمي وهو أن يدوى جوفه ، يقال منه : رجل مورى مشدد غير مهموز . وفي الصحاح : وروي القيح جوفه يريه وريا إذا أكله . وأنشد اليزيدي : * قالت له وريا إذا تنحنحا * وهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله : إنه الذي قد غلب عليه الشعر ، وامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شئ من الذكر ممن يخوض به في الباطل ، ويسلك به مسالك لا تحمد له ، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول . ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه لأوصاف المذمومة الدنية ، لحكم العادة الأدبية . وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوب على هذا الحديث " باب ما يكره أن يكون الغالب على الانسان الشعر " . وقد قيل في تأويله : إن المراد بذلك الشعر الذي هجى به النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره . وهذا ليس بشئ ، لان القليل من هجو النبي صلى الله عليه وسلم وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم ، وكذلك هجو غير النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين محرم قليله وكثيره ، وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى . الرابعة - قال الشافعي : الشعر نوع من الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيح كقبيح الكلام ، يعنى أن الشعر ليس يكره لذاته وإنما يكره لمضمناته ، وقد كان عند العرب عظيم الموقع . قال الأول منهم : * وجرح اللسان كجرح اليد * وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر الذي يرد به حسان على المشركين : " إنه لأسرع فيهم من رشق النبل " أخرجه مسلم . وروى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشى بين يديه ويقول : خلوا بنى الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر : يا بن رواحة ! في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خل عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل " .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 151 | القرطبي