إِذْ تُفِيضُونَ فِيه وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ ولا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ ولا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 62 )
شرح
العادة أن الكبراء يتكلمون عن أنفسهم وعن أتباعهم * ( إِذْ تُفِيضُونَ فِيه ) * تدخلون في ذلك العمل وتبتدئون به ، فشهادتنا مقترنة بأول كل أمر لا يفوت منا شيء من أوله ، والإفاضة غالبا تستعمل فيما يكون العمل سريعا ، ولكن النكتة في الإتيان بهذا اللفظ : أن الأعمال السريعة غالبا تفوت على الشاهد ، لكن الله سبحانه لا يغيب عنه شيء ولو كان العامل مسرعا في عمله .
* ( وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ) * أي لا يغيب عنه * ( مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ) * أي ما هو بثقل الذرة وهي الهباءة الصغيرة التي تسبح في الفضاء وترى إذا دخلت أشعة الشمس المكان المظلم من كوّة ونحوها ، و « من » زائدة تأتي لبيان التعميم المستفاد من « ما » النافية قبلها ، سواء كانت تلك الذرة * ( فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ ) * .
ولعلّ ذكر « مثقال » لبيان أن الله كما يعلم نفس الذرة يعلم ثقلها ، وهو أدق من العلم بأصلها كثيرا ، فإن العلم بأصل الذرة يحصل للناس كثيرا ، أما العلم بوزنها فلا يحصل للناس إلا نادرا جدا * ( ولا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ ) * من مثقال ذرة ، أي : أيّ شيء كان أصغر من الذرة ، أو وزنه أقل من وزن الذرة * ( ولا أَكْبَرَ ) * من ذلك * ( إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * كتاب واضح لديه سبحانه ، فإن علم كل ذلك في كتاب كتبه قبل أن يخلق الخلق ، وهو اللوح المحفوظ أو غيره ، وقوله : « لا أصغر » استئناف ، خبره « إلَّا في كتاب مبين » .