فإنك قد جعلت طبيب نفسك وعرفت آية الصحة وبين لك الداء ودللت على الدواء .
فانظر قيامك على نفسك . وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المن والذكر
لها ولكن اتبعها بأفضل منها ، فإن ذلك أجمل بك في أخلاقك وأوجب للثواب في
آخرتك . وعليك بالصمت تعد حليما - جاهلا كنت أو عالما - فإن الصمت زين لك
عند العلماء وستر لك عند الجهال .
يا ابن جندب إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال لأصحابه : " أرأيتم لو أن أحدكم
مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن بعض عورته أكان كاشفا عنها كلها أم يرد عليها
ما انكشف منها ؟ قالوا : بل نرد عليها . قال : كلا ، بل تكشفون عنها كلها - فعرفوا
أنه مثل ضربه لهم - فقيل : يا روح الله وكيف ذلك ؟ قال : الرجل منكم يطلع على
العورة من أخيه فلا يسترها . بحق أقول لكم إنكم لا تصيبون ما تريدون إلا بترك
ما تشتهون . ولا تنالون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون . إياكم والنظرة فإنها
تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة . طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم
يجعل بصره في عينه . لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب وانظروا في عيوبكم كهيئة
العبيد . إنما الناس رجلان : مبتلى ومعافى فارحموا المبتلى واحمدوا الله على العافية " .
يا ابن جندب صل من قطعك . وأعط من حرمك . وأحسن إلى من أساء إليك .
وسلم على من سبك . وأنصف من خاصمك . واعف عمن ظلمك ، كما أنك تحب أن
يعفى عنك ، فاعتبر بعفو الله عنك ، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجار . وأن
مطره ينزل على الصالحين والخاطئين .
يا ابن جندب لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك ، فإنك إن فعلت ذلك فقد
استوفيت أجرك ، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع علينا شمالك ، فإن الذي
تتصدق له سرا يجزيك علانية على رؤوس الاشهاد في اليوم الذي لا يضرك أن لا
يطلع الناس على صدقتك . واخفض الصوت ، إن ربك الذي يعلم ما تسرون وما
تعلنون ، قد علم ما تريدون قبل أن تسألوه . وإذا صمت فلا تغتب أحدا . ولا تلبسوا
صيامكم بظلم . ولا تكن كالذي يصوم رئاء الناس ، مغبرة وجوههم ، شعثة رؤوسهم ،
تحف العقول عن آل الرسول ( ص ) — صفحة 305
مساهمون: ابن شعبة الحراني
ص٣٠٥