إيمان إلا بعمل . ولا عمل إلا بيقين . ولا يقين إلا بالخشوع وملاكها كلها الهدى ، فمن
اهتدى يقبل عمله وصعد إلى الملكوت متقبلا " والله يهدي من يشاء إلى صراط
مستقيم ( 1 ) " .
يا ابن جندب إن أحببت أن تجاور الجليل في داره وتسكن الفردوس في جواره
فلتهن عليك الدنيا واجعل الموت نصب عينك . ولا تدخر شيئا لغد . واعلم أن لك
ما قدمت وعليك ما أخرت .
يا ابن جندب من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره . ومن أطاع هواه فقد
أطاع عدوه . من يثق بالله يكفه ما أهمه من أمر دنياه وآخرته ويحفظ له ما غاب عنه .
وقد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا ولكل نعمة شكرا . ولكل عسر يسرا . صبر نفسك
عند كل بلية في ولد أو مال أو رزية ( 2 ) ، فإنما يقبض عاريته ويأخذ هبته ليبلو فيهما
صبرك وشكرك . وارج الله رجاء لا يجريك على معصيته وخفه خوفا لا يؤيسك من
رحمته . ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحه فتكبر وتجبر وتعجب بعملك ، فإن أفضل
العمل العبادة والتواضع . فلا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما خلفته وراء ظهرك . وأقنع
بما قسمه الله لك . ولا تنظر إلا إلى ما عندك . ولا تتمن ما لست تناله . فإن من قنع
شبع ومن لم يقنع لم يشبع . وخذ حظك من آخرتك . ولا تكن بطرا في الغنى ، ولا
جزعا في الفقر . ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك ولا تكن واهنا يحقرك من
عرفك . ولا تشار ( 3 ) من فوقك ولا تسخر بمن هو دونك . ولا تنازع الامر أهله .
ولا تطع السفهاء . ولا تكن مهينا تحت كل أحد . ولا تتكلن على كفاية أحد . وقف
عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم . واجعل قلبك قريبا
تشاركه ( 4 ) . واجعل عملك والدا تتبعه . واجعل نفسك عدوا تجاهده وعارية تردها ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية 109 .
( 2 ) الرزية : المصيبة أصله من رزأ أي أصاب منه شيئا ونقص . وفى بعض النسخ [ أو ذرية ] .
( 3 ) ولا تشار أي ولا تخاصم .
( 4 ) في بعض النسخ [ تتنازله ] .