فان قالوا أن امارات الخوف لم تظهر .
قلنا : وأي امارة للخوف هي أقوى من الاقدام على خلاف رسول الله
صلى الله عليه وآله في أوثق عهوده وأقوى عقوده ، والاستبداد بأمر لاحظ لهم
فيه . وهذه الحال تخرج من أن يكون امارة في ارتفاع الحشمة من القبيح إلى أن
يكون دلالة ، وإنما يسوغ أن يقال لا امارة هناك تقتضي الخوف وتدعو
إلى سوء الظن إذا فرضنا ان القوم كانوا على أحوال السلامة متضافرين
متناصرين متمسكين بأوامر الرسول صلى الله عليه وآله ، جارين على سنته
وطريقته . فلا يكون لسوء الظن عليهم مجال ولا لخوف من جهتهم طريق .
فأما إذا فرضنا انهم دفعوا النص الظاهر وخالفوه وعملوا بخلاف
مقتضاه ، فالامر حينئذ منعكس منقلب وحسن الظن لا وجه له ، وسوء الظن
هو الواجب اللازم . فلا ينبغي للمخالفين لنا في هذه المسألة ان يجمعوا بين
المتضادات ، ويفرضوا ان القوم دفعوا النص وخالفوا موجبه ، وهم مع ذلك
على أحوال السلامة المعهودة منهم التي تقتضي من الظنون بهم أحسنها
وأجملها على أنا لا نسلم انه ( ع ) لم يقع منه إنكار على وجه من الوجوه ، فإن
الرواية متظافرة بأنه عليه السلام لم يزل يتظلم ويتألم ويشكو أنه مظلوم
ومقهور في مقام بعد مقام وخطاب بعد خطاب . وقد ذكرنا تفصيل هذه
الجملة في كتابنا الشافي في الإمامة وأوردنا طرفا مما روي في هذا الباب ،
وبينا ان كلامه ( ع ) في هذا المعنى يترتب في الأحوال بحسب ترتبها في
الشدة واللين ، فكان المسموع من كلامه عليه السلام في أيام أبي بكر لا
سيما في صدرها ، وعند ابتداء البيعة له ما لم يكن مسموعا في أيام عمر ، ثم
صرح عليه السلام وبين وقوى تعريضه في أيام عثمان ، ثم انتهت الحال في
أيام تسليم الامر إليه إلى أنه ( ع ) ما كان يخطب خطبة ولا يقف موقفا الا
ويتكلم فيه بالألفاظ المختلفة والوجوه المتباينة ، حتى اشترك في معرفة ما في
نفسه الولي والعدو والقريب والبعيد . وفي بعض ما كان ( ع ) بيديه ويعيده
تنزيه الأنبياء ( ع ) — صفحة 187
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٨٧