في الجملة انه على غير ظاهره ، فإن عرفنا وجهه على التفصيل ذكرناه ، وإلا
كفانا في تكليفنا ان نعلم أن الظاهر معدول عنه ، وأنه لابد من وجه فيه يطابق
ما تقتضيه الأدلة . وهذه الجملة كافية في جميع المشتبهة من افعال الأئمة
عليهم السلام وأقوالهم ، ونحن نزيد عليها فنقول : ان الله تعالى لم يكلف
انكار المنكر سواء اختص بالمنكر أو تعداه إلى غيره الا بشروط معروفة ،
أقواها التمكن . وان لا يغلب في ظن المنكر ان إنكارة يؤدي إلى وقوع ضرر
به لا يحتمل مثله ، وأن لا يخاف في انكاره من وقوع ما هو أفحش منه وأقبح
من المنكر . وهذه شروط قد دلت الأدلة عليها ووافقنا المخالفون لنا في
الإمامة فيها وإذا كان ما ذكرناه مراعي في وجوب انكار المنكر ، فمن أين أن
أمير المؤمنين عليه السلام كان متمكنا من المنازعة في حقه والمجادلة ، وما
المنكر من أن يكون عليه السلام خائفا متى نازع وحارب من ضرر عظيم
يلحقه في نفسه وولده وشيعته ، ثم ما المنكر من أن يكون خاف من الانكار
من ارتداد القوم عن الدين وخروجهم عن الاسلام ونبذهم شعار الشريعة ،
فرأى أن الاغضاء اصلح في الدين من حيث كان يجر الانكار ضررا فيه لا
يتلافى .
فان قيل : فما يمنع من أن يكون انكار المنكر مشروطا بما ذكرتم ، إلا أنه
لابد لارتفاع التمكن وخوف الضرر عن الدين والنفس من امارات لايحة
ظاهرة يعرفها كل أحد ، ولم يكن هناك شئ من امارات الخوف وعلامات
وقوع الفساد في الدين . وعلى هذا فليس تنفعكم الجملة التي ذكرتموها لان
التفصيل لا يطابقها .
قلنا : أول ما نقوله ان الامارات التي يغلب معها الظن بأن انكار المنكر
يؤدي إلى الضرر ، انما يعرفها من شهد الحال وحضرها واثرت في ظنه ،
وليست مما يجب ان يعلمها الغائبون عن تلك المشاهدة . ومن اتى بعد ذلك
الحال بالسنين المتطاولة . وليس من حيث لم تظهر لنا تلك الامارات ولم
تنزيه الأنبياء ( ع ) — صفحة 184
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٨٤