فالمستقرّ من يتثبّت ويتمكَّن على فطرته الأصيلة وخلقته الأوّليّة الَّتى أنشئت من نفس طاهرة زكيّة واحدة .
والمستودع من يكون منصرفا ومنحرفا عن مقامه الذاتىّ وفطرته الأصيلة .
وأمّا التعبير بصيغة الاستفعال دون المجرّد : إشارة إلى جهة الطلب والاختيار ، فانّ الإنسان بعد تكوّنه على فطرة سليمة صافية ، يطلب ويختار أحد الطريقين : إمّا طريق الهدى والسلامة والحقّ ، أو طريق الغوى والضلالة والباطل والانحراف عن فطرته .
وأمّا التعبير بمادّة الودع : فانّ أوّل مرحلة بعد الاستقامة والقرار على الفطرة ، هو صرف النظر والتوجّه عن الحقّ الَّذى هو الفطرة السليمة ، ثمّ بعده يشتدّ الانصراف والانحراف مرتبة بعد مرتبة .
وأمّا ما في التفاسير من الاحتمالات الضعيفة والوجوه البعيدة : فكلَّها على خلاف الحقيقة ، وعلى خلاف دلالة الكلمة . والعجب ممّا شاهدت في تفسير : إنّ الآية الكريمة من المتشابهات .
وأمّا الآية الثانية : فالكلمتان فيها اسم مكان على صيغة المفعول ، والمراد محلّ استقرارها إذا استقرّوا في مكان ، ومحلّ استيداعها إذا انصرفوا وأعرضوا عنها مستمرّا أو موقّتا .
ولا يناسب حمل الكلمتين في هذا المورد على المفعوليّة ، فانّ أكثر الحيوانات ثابتون ومستقيمون على خلقتهم الأوّليّة ، وأيضا لا يرتبط هذا الكلام بما قبله من كون أرزاقهم على اللَّه تعالى .
ولا يخفى أنّ إعطاء الأرزاق متوقّفة على العلم بالمحلّ والموقف .
ودق مقا ( 1 ) - ودق : كلمة تدلّ على إتيان وأنسة . يقال : ودقت به ، إذا أنست به
هامش
( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه .