التبدّل والتحوّل ، وهي انتفاء الاقتضاء والقوّة والنفوذ في الشيء المنسوخ ، وهذا المعنى إمّا بانتفاء الاقتضاء فيه بذاته ومن حيث هو ، بأن يجعل من أوّل التقدير مغيّى بغاية معيّنة . أو من جهة انتفاء الاقتضاء في الزمان الثاني وأهله . أو بلحاظ تحوّل الموضوع والحكم قوّة وضعفا وباختلاف المراتب إنتاجا وإفادة .
فظهر أنّ النسخ لا يدلّ على محو شيء سابق وإثبات أمر لاحق ، حتّى يوجد الاختلاف الشديد بين الناسخ والمنسوخ ، بل قد يكون الفرق بينهما بالشدّة والضعف أو بالإطلاق والتقييد وغيرهما .
وأكثر ما يعدّ من مصاديق الناسخ والمنسوخ في الآيات الكريمة من هذا القبيل ، ولا اقتضاء هنا بالبحث عنها تفصيلا .
* ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِه ِ فَيَنْسَخُ ا للهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ا للهُ آياتِه ِ ) * - 22 / 52 .
الأمنيّة أصلها امنوية كالأضحوكة : ما يكون مصداقا تامّا للتمنّى . والمراد :
إلقاء الشيطان في مورد تشهيّه وسوسة بمقتضى المورد ، فيوجد اختلاطا في نيّته واضطرابا في إخلاصه . فينسخ اللَّه ما يلقى الشيطان بإخراجه عن مقام الاقتضاء والنفوذ والقوّة ، ثمّ يحكم اللَّه آياته بالنور والإفاضة والتجلَّى والشهود في قلبه .
* ( هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * - 45 / 29 .
النسخ بمعنى الاكتتاب والنقل عن مكتوب : من مصاديق الأصل ، فانّ النقل عن كتاب أصيل وحيد والاكتتاب منه : يوجب تقليل النفوذ والقوّة فيه وخروجه عن الاقتضاء التامّ والتوجّه اليه ، فيخرج الكتاب الأصيل عن مقام اعتباره وموقعيّته الأوّليّة .
والنسخة فعلة بمعنى ما ينسخ ، ويطلق على كتاب ينقل عنه وهو الكتاب الأصيل المستند اليه . والاستنساخ : بمعنى طلب النسخ ، أي طلب أن ينسخ وينقل عنه . فالنسخة المنقولة عنه هو كتاب أعمالهم وصورة ما يضبط ويحفظ من
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 98
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٩٨