والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو التأخّر والتأخير . ومن مصاديقه : تأخير الأجل ، التأخير في ردّ الثمن في البيع ، تأخير في تأدية الدين ، حمل الإبل وغيره على التأخّر في السير ، والتأخّر في أيّام الحيض . والتّأخير في الأمور وفي المقرّرات المعلومة .
ومن آثار الأصل : البعد ، والدفع ، والرفق .
وبين المادّة ومادّة النسى : اشتقاق أكبر ، فانّ النسيان يلازمه التأخّر .
وهكذا النسو واويّا بمعنى الترك .
* ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِه ِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَه ُ عاماً وَيُحَرِّمُونَه ُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ ا للهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ ا للهُ ) * - 9 / 37 .
النسيء : فعيل بعد التحوّل إلى نسأ لازما ، فيدل على ثبوت صفة لشيء ، فمعناه ما يكون متأخّرا . واطلاق الكلمة يدلّ على إرادة المعنى المتداول بينهم ، وهو الشهر المتأخّر من جهة الحرمة من بين الأشهر الحرم إلى شهر آخر ، لتحليل المحاربة والإغارة فيه ، وكانوا يحلَّلون شهر المحرّم لوقوعه بعد شهري ذي القعدة وذى الحجّة المحرّمين ، فيقولون انّه نسيء .
وهذا العمل زيادة على كفرهم باللَّه وبالرسول : فانّه نقض ما ثبت وقرّر فيما بينهم للتأمين وحفظ النفوس والأموال في اجتماعهم .
وقد حكم اللَّه تعالى بحرمة هذه الأشهر المحرّمة في الإسلام أيضا ، وإنّهم غير مراعين ناحية الدين الإلهىّ ، ولا ناحية الضوابط الاجتماعيّة لهم .
* ( فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْه ِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِه ِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَه ُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ) * - 34 / 15 .
المِنسأة : كالمكنسة اسم آلة من النسأ ، بمعنى الآلة الَّتى بها يؤخّر ويدفع ما يلزم أن يدفع ويؤخّر ، وبهذا اللحاظ يطلق على العصا ، ويقال : إنّ المنسأة أكبر
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 92
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٩٢