وأمّا الصيحة والزجر : فانّما هي بمقتضى المورد ، فانّ نداء الأنعام ودعوتها لا بدّ أن تكون بوجه شديد وبصوت جلىّ . والزجر بمعنى المنع والنهى . ويصدق هذا المعنى إذا قصد بالنداء الزجر عن مسير وحركة .
* ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) * - 2 / 171 المثل صفة مشبهة كالحسن ، وهو ما يتّصف بالمثليّة أي الصفات الأصيلة الممتازة ، فشبّه مثل الكافرين بمثل الناعق . ويراد إنّ الصفات الممتازة الأصيلة في الكافرين كالصفات الأصيلة الَّتى في الناعق بما لا يسمع ، فالمثل بمعنى المتمثّل فيه الصفات لشيء .
فالمتمثّل في الكافر هو ستر الحقّ والإعراض عن اللَّه العزيز القادر المحيط ، والتوجّه إلى أصنام وأهوية وأمور مادّيّة لا تغنيه عن اللَّه المتعال شيئا ولا تنفعه ولا تضرّه ولا تجيب دعاءه ونداءه ولا تكشف عنه ضرّا ولا تدفع ابتلاء ومضيقة .
وهذا المعنى كالمتمثّل من الناعق بما لا يسمع : فانّه ينادى ويخاطب ويدعو البهيمة إلى جانبه ويزجر عن العصيان والخلاف ، إلَّا أنّ البهيمة لا تفهم إلَّا مطلق نداء ودعوة ، ولا يحصل التفاهم بينهما إلَّا بهذا المقدار .
فحال الكافر إذا اتّخذ أربابا من دون اللَّه : كحال الناعق ، وهذا إذا كان الأرباب من ذوى النفوس الشاعرة ، وأمّا إذا كان من الأصنام والأوثان المصنوعة غير الشاعرة : فلا تسمع شيئا أصلا .
ويدلّ على هذا المعنى : ما قبلها من الآيات الكريمة :
* ( وَإِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ ) * . . . . * ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ ا للهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ ) * . . . . * ( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ ا للهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْه ِ آباءَنا . ) * مضافا إلى أنّ صريح الآية الكريمة تشبيه مثل الكافرين بمثل الناعق بما
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 173
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٧٣