وأنصتوا ، ونصتُّه ونصتُّ له مثل نصحته ونصحت له .
والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو السكوت في مقابل كلام وتكلَّم . وسبق في السكت : أنّ السكوت هو سكون بعد هيجان في كلام أو عمل . والصمت :
يقابله التكلَّم والنطق . والسكون : في قبال مطلق الحركة .
والإنصات : جعل شخص ساكتا وهو أعمّ من أن يكون منصتا نفسه أو غيره ، في مورد تكلَّم ليستمع الكلام . وهذا المعنى أوجب ظنّهم بأنّ الإنصات لازم ويتعدّى باللام ، مع أنّ اللام ليست لإفادة معنى التعدية ، بل للاختصاص .
* ( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوه ُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) * - 46 / 29 . * ( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَه ُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * - 7 / 204 .
في هاتين الآيتين الكريمتين موارد للبحث :
1 - إنّ الجنّ يطلق على أهل مرتبة من الملكوت السفلى ، وهم ألطف من الإنسان المادّيّ ، وعلى هذا لا يستطيع الإنسان أن يدركه بحواسّه الظاهرة ، والآية تدلّ على أنّ الجنّ يحضرون في مجالس الناس ويستمعون منهم الحديث والقرآن ويستفيدون منها .
2 - قد أمر اللَّه تعالى في الآية الثانية بالإنصات عند قراءة القرآن ، والأمر في هذا المورد يفيد الوجوب : وهذا فانّه ذكر بعد الأمر بالاستمتاع ، ومرتبط بقراءة القرآن وهو كلام اللَّه عزّ وجلّ وخطاباته ، وعدم رعاية الاستماع والإنصات يوجب إهانة في مقام عزّه وجلاله ، والإنصات في قبال خطابات الأعاظم أمر طبيعىّ عقلىّ وجدانىّ ، وعلى هذا قال الجنّ عند استماعه : أنصتوا . وعلَّل الحكم بقوله لعلَّكم ترحمون ، وهذا كما في :
* ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 135
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٣٥