تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
جميع خصوصيّات الروح وتمايلاته وأفكاره . والفناء في البدن البرزخىّ أتمّ وأدقّ وألطف ، فيكون تجلَّى الصفات والحقائق الباطنيّة فيه أكمل وأظهر . ولمّا كان كلّ من البدن المحسوس والبرزخىّ كالمرآة لشيء واحد : فلا يوجد اختلاف في تشكَّلهما ، وإنّما الاختلاف من جهة المادّيّة ولطافة الجسم والبدن . وعلى أىّ حال فالروح مغطَّى بالقبر : البدن المادّىّ ، والبدن البرزخىّ ، وأمّا الجدث الظاهرىّ : فهو قبر للبدن المادّىّ لا للروح . ولمّا كان التكليف والخطاب والثواب والعقاب للروح ، فيكون البعث والنشر أيضا للروح ، على اقتضاء عالم البرزخ ، فانّ عالم المادّة وخصوصيّاته قد انتفى وانقضى أجله ، ولا بدّ أن يكون جميع الجريانات والوقائع والأحكام على مقتضى ذلك العالم وبتناسبه . وأمّا مسألة المعاد الجسمانىّ : قلنا في القبر إنّه مسألة خارجة عن محيط إدراكنا ، ولا امتناع فيه بوجه من الوجوه ، وبحثنا عنه هناك فراجع . فالنشر عبارة عن بسط بعد انقباض ، وبالنشر ينبسط ما انطوى في الروح من آثار الأعمال والأخلاق والصفات النفسانيّة والأفكار والاعتقادات ، وينشرح حتّى يجازى كلّ بحسب ما في النفس . ولم يكن ذلك الانبساط والانشراح في العالمين السابقين . وهذا كحصول الانبساط في الموادّ الأرضيّة بنزول الماء . وأمّا كون نشر الناس كالجراد : فانّ النفس إذا ظهرت منطوياته وانبسطت مكنوناته المنقبضة : توجب اضطرابا ووحشة واختلالا في نظم الأمور والحركات ، لا يدرى ما يفعل به وكيف تكون عاقبة أمره . * ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ) * - 77 / 3 سبق في العذر وغيره : إنّ هذه الآيات الكريمة إشارة إلى مراتب السلوك الخمس ، والنشر مرحلة ثالثة منها ، وهي مرحلة تهذيب النفس وتزكيته عن الصفات الرذيلة والأخلاق الظلمانية الحيوانيّة .