النشر في الكتاب يقابل الطىّ : والصحف جمع الصحيفة ، بمعنى ما ينبسط ويتسطَّح في قطعة مادّيّا أو معنويّا . وليس المراد من الصحيفة والكتاب المنشور في الآخرة هو الشيء المنبسط المادّى ، فانّه لا يناسب عالم ما وراء المادّة .
بل يراد ألواح النفوس الَّتى فيها ضبطت وطويت جميع ما صدر من الأعمال والأفكار والحركات ، فتنبسط يوم القيامة وتظهر ما فيها من المنطويات .
وهذا الكتاب والصحف المنبسطة أقوى وأبين وأتمّ من الكتب والصحف الخارجيّة عن النفس ، وإن كانت لطيفة جامعة .
والنشر الروحانىّ كما في :
* ( فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِه ِ ) * - 18 / 16 . * ( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَه ُ ) * - 42 / 28 سبق في الرحمة : إنّها عبارة عن تجلَّى الرأفة وظهور الحنّة والشفقّة . وهذا المعنى يتحصّل في المادّيّات والروحانيّات ، ففي المادّىّ بالإنعام عليه في محيط حياته المادّيّة . وفي الروحانىّ بالتوجّه واللطف والإفاضات المعنويّة الغيبيّة ، وإن كان الظهور في الخارج بالإنعام المادّىّ .
* ( ثُمَّ أَماتَه ُ فَأَقْبَرَه ُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَه ُ ) * - 80 / 22 . * ( فَأَحْيَيْنا بِه ِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ) * - 35 / 9 . * ( يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ) * - 54 / 7 الجدث بفتحتين بمعنى القبر . والقبر مصدر واسم بمعنى التغطية والمواراة . وسبق في القبر : إنّ البدن بعد انقضاء حياته المادّيّة يوارى في التراب وهو القبر المحسوس المادّىّ . والروح بالمفارقة عن البدن يوارى في القبر البرزخىّ وقالب على تناسب خصوصيّات الروح ، وهذا القبر البرزخىّ يتكوّن من نفس الروح ، وهو تشكَّل صفاته وأخلاقه .
ولمّا كان البدن المحسوس فانيا تامّا في الروح يتراءى في البدن جميع ما في حقيقة الروح ، بحيث لو شاهده شخص بصير روحانىّ منوّر : ليتوجّه إلى
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 121
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٢١