والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو خروج من متن شيء وحصول جريان .
ومن مصاديقه : التولَّد من الحيوان والإنسان ، وإسراع بعد المشي المتوسّط كأنه يخرج عن مشيه المتعارف ويسرع ، ومشية الذئب إذا أعنق وأسرع فكأنّه خرج عن مقام سبعيّته وذهب ، وسقوط ريش أو شعر من حيوان بعد التثبّت ، والعسل المذاب فكأنّه يخرج من الخليّة . فهذه المعاني بقيود الأصل من مصاديق الحقيقة . وليس مطلق السقوط أو التحاتّ أو الإسراع من مصاديق الأصل .
والفرق بين النسل والسلّ : أنّ السلّ يلاحظ فيه التحصّل والتخلَّص والاستخراج . بخلاف النسل . فلا يقال : ولقد خلقنا الإنسان من نسالة من طين .
وكذلك لا يقال : أنسل الماشي .
فيظهر لطف التعبير بكلّ واحد منهما في موارد لحاظ القيود المذكورة .
وقد يجتمعان في المصداق ويختلفان باللحاظ والاعتبار ، فيقال للولد سليل باعتبار التحصّل والانتاج . ونسل باعتبار الخروج .
* ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَه ُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) * - 32 / 8 أي مبدأ خلق الإنسان من الطين ، ثمّ مادّة خلق ذرّيّته من خلاصة متحصّلة من ماء مهين .
فلا يصحّ في المورد التعبير بقولنا - ثمّ جعل سليله من نسالة .
* ( وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَا للهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) * - 2 / 205 فانّ الإفساد في قبال الإصلاح ، والفساد إنّما يتحقّق باختلال في نظم الأمور مادّيّة أو معنويّة تكوينيّة أو تشريعيّة . والشريعة الحقّة إنّما تقرّر على وفق المقرّرات الطبيعيّة التكوينيّة ، فانّ التشريع والتكوين من مبدأ واحد ، ولا يمكن
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 109
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٠٩