وأمّا المسخ الشديد التامّ : فهو حصول تحوّل في القلب ثمّ ظهوره التامّ في البدن ، فيتأثّر وينقلب البدن وصورته على وفق القلب .
وهذه أمور مشهودة مسلَّمة لذوي البصائر ، بل من الجريانات الطبيعيّة القهريّة ، ولا ينكرها إلَّا المحجوب الجاهل .
ثمّ إنّ تحقّق المسخ الكامل في الخارج إنّما يقع بأمر الله وإرادته ، فانّه تبديل في خلق الله وفي الخارج ويحتاج إلى أمره ، راجع القرد .
* ( وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ) * - 36 / 68 أي نحوّل صورتهم على وفق ما كانوا عليه في الباطن ومطابقا سيرتهم وما في قلوبهم ، فإذا مسخوا وكانوا على صورة غير صورتهم الظاهريّة : فيتوقّف عيشهم في الحياة الدنيا ولا يمكن لهم إدامة برنامجهم الَّذى كانوا عليه من المعيشة الحيوانيّة ولا يتمكَّنون من الرجوع إلى سوابق حالاتهم ومعايشهم الماضيّة ولا ينفعهم الندامة والتنبّه .
فاللازم أن يتوجّه الإنسان بأنّ المسخ الخفيف الَّذى هو مبدؤه وحقيقته أمر مسلَّم مشاهد ، وسيظهر ويتجلَّى يوم تبلى السرائر فما له من قوّة ولا ناصر ، حتّى يرجع إلى ما مضى من جريان عيشه أو يسبق في إدامة حياته .
وهذا نوع من المجازات ، وحقيقة انعكاس أخلاق الإنسان وأعماله صالحة أو طالحة في نفسه - فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرّة . * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ . ) * يراد إنّ الإنسان يرى ما عمل من خير أو شرّ ، فهو يرى نفس الخير والشرّ من عمل ، وليس المراد رؤية الجزاء .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 104
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٠٤