والجواب عن الأول أن المراد بالإمكان هنا إنما هو إمكان الثّبات والفساد بعد خروج الشئ من القوة إلى الفعل وهو مغاير لإمكان الوجود والعدم نظرا إلى ذات الممكن ، الأترى أن النّفس النّاطقة بعد وجودها ليس لها إمكان الثّبات والفساد إذ ليس لها إمكان الفساد فلا يكون لها إمكان الثّبات والعدم مع أنها ممكنة الوجود والعدم نظرا إلى ذاتها إذ لا تصير واجبة لذاتها وإنما تجب لوجوب علّتها لا لذاتها .
وعن الثاني أن المراد من قوله : « فقد يمكن في وقت ما أن لا يوجد » هو أنه يعدم في وقت ما بعد خروجه إلى الفعل ، والنقض بالنّفس النّاطقة لا يتوّجه لما ذكرنا أن المراد بالإمكان إنما هو إمكان الثّبات والفساد ، وليس للنّفس النّاطقة هذا الإمكان فيصير تقرير الدعوى في هذه المقدّمة هكذا : إن كان ما هو بالقوّة وله إمكان الثّبات والفساد بعد خروجه من القوة إلى الفعل فإنه لا بد وأن يعدم في وقت ما ، وقد استعمل هذه المقدمة في الفصل الذي ذكرت فيه أنه نظير رابع فلسفي من جملة دلائل التوحيد على الوجه الذي لخصّناه فلنبرهن على صحتها فنقول :
إن كل ما يوجد بعد أن لم يكن فعدمه قبل وجوده ووجوده بعد عدمه قبليّة لا تجتمع مع البعديّة ، وليست القبليّة والبعديّة نفس العدم لأن العدم قبل كالعدم بعد ، وليس القبل هو البعد وهي أمور زائدة على عدم الشئ ووجوده وهي قابلة للتفاوت بالزيادة والنقصان وهي متكمّمة متصلة وذلك هو الزّمان ، فاذن كل ما يوجد بعد أن لم يكن فإنه محتاج إلى الزمان وقد سبق في المقدّمات الماضية أن الزّمان من لواحق الحركة ، فكلّ حادث فهو محتاج إلى الحركة ، فإذا كان فيه إمكان الثّبات والفساد أيضا فعلى تقدير فساده يكون عدمه بعد وجوده على مثل ما قلنا في حدوثه فيكون فساده أيضا محتاجا إلى الزّمان والحركة ، فيلزم أن يكون محتاجا في وجوده وثباته ثم نقول :
احتياج مثل هذا الحادث إما أن يكون إلى الحركة مطلقا كيفما اتفق أو إلى حركات معينة ، والأول باطل ، وإلّا لدام وجوده بدوام الحركة ، وكلامنا في الحادث الذي يكون وقتا ما بالقوّة وإن كان احتياجه إلى حركات معيّنة ، فيلزم أن يكون بحيث إذا انعدمت
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 62
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٦٢