الفعل في هذا الموضع ، فليست هي مجرّد الإمكان ، بل هي عبارة عن أن يكون الشئ ممكن الوجود والعدم ، ولا يكون موجودا ، فإذا وجد يقال له : خرج من القوّة إلى الفعل ، فكون الشّيء موجودا بالقوّة لا يصدق مع كونه موجودا بالفعل ، وكونه ممكنا يصدق مع كونه موجودا بالفعل ، فإنه إذا حدث لا يصير واجبا لذاته ، بل هو ممكن لذاته دائما قبل كونه موجودا بالفعل ومعه وبعده .
إذا ثبت هذا فاعلم أن على هذه المقدّمة سؤالين ، أحدهما أن قوله : « كلّ ما بالقوّة » ، معناه كل ما هو ممكن الوجود ، وليس بموجود كما ذكرناه ، فالإمكان معلوم ومذكور فيه تضمنا فلما ذا قيّده مرّة أخرى بقوله : « وله في ذاته إمكان ما » ، وثانيهما أن محمول القضية ينبغي أن يكون مغايرا لموضوعها ، إذ لا فائدة في مجرّد تكرير الشئ ؛ وأن يكون خارجا عنه ، وإلا لم يكن ثبوته للموضوع محمولا ، بأن يكون قضيّة تطلب صحتها بالبرهان ، وكلامنا في القضايا البرهانية ، إذا ثبت هذا ، فنقول : المراد من المحمول في هذه المقدّمة - وهو قوله « فقد يمكن في وقت ما أن لا يوجد بالفعل » .
إما أن يكون إثبات الإمكان قبل خروجه إلى الفعل أو بعده أو مطلقا ، فإن كان الأول كان محمول القضيّة غير موضوعها أو داخلا فيه لأن المعنى من كون الشئ بالقوّة هو كونه بحيث يمكن أن يوجد بالفعل وأن يوجد ما دام لم يوجد ، فحمله عليه على أحد الوجهين المذكورين ، وإن كان الثاني فهو منقوض بالنفس الناطقة لأنها تكون بالقوّة قبل حدوث البدن وعند حصوله يوجد بالفعل ، ومعلوم أن ذاتها ممكنة في جميع الأحوال ، إذ الممكن لذاته لا يصير واجبا لذاته ، ثم إنها لا يمكن في وقت ما أن لا يوجد بالفعل لأنه ثبت في الحكمة أنها باقية لا تنعدم ، وإن انتقض المزاج وفسد البدن ، فلا تكون هذه القضية صحيحة على هذا الإطلاق ، وإن كان الثالث فهو أيضا خال عن الفائدة لأن كل مقيد يصدق عليه مطلقه فكل ما هو بالقوة فإنه يصدق عليه أنه ممكن أن لا يوجد بالفعل ، وذلك معلوم بالضّرورة لأنه في وقت كونه بالقوّة يصدق عليه أنه ممكن أن لا يوجد بالفعل فلا حاجة إلى جعلها من المقدّمات البرهانية .
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 61
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٦١