بالقوّة ثم يخرج إلى الفعل ، وإن تخلّف عنه تأثيره بأن لا يخرج ما هو فيه من القوّة إلى الفعل فلا شكّ أنه يكون ذلك التخلّف إما لقيام مانع أو لفقدان شرط فيحتاج إلى أمر خارج عنه يزيل ذلك المانع ، أو يحصل ذلك الشرط ، فمزيل المانع أو محصّل الشرط الخارج يكون مخرجا لذلك المخرج الذي هو في الشئ في تأثيره من القوة إلى الفعل ، كالقوى الطّبيعيّة المنضجة للفواكه الكائنة فيها إذا لم يحصل منها ذلك الإنضاج ، إما لقيام مانع كبرد مفجج ؛ أو لفقدان شرط كسخونة الجو ، فكل ما أزال ذلك المانع أو حصل هذا الشرط كالشّمس إذا أمدتها بتسخين الجو فهو مخرج للقوى الطبيعية في تأثيره من القوة إلى الفعل فعلى هذا يكون المخرج الأصلي ذلك الخارج فإذن المخرج للشئ على الإطلاق من القوة إلى الفعل يكون خارجا عنه دائما ، وهذا هو ما أشار اليه بقوله : وهو خارج عنه ضرورة .
وأما الوجه الثالث وهو أن يكون ذلك الشئ موجود الذّات كامل الصّفات فيحدث منه أثر بالفعل بعد أن كان بالقوة فذلك الأثر إما أن يكون في المادة كالصور والأعراض الحالّة فيها أو متعلقا بها بضرب من التعلق ، كالنفوس الناطقة أو لا يكون في المادّة ولا متعلّقا بها ، كالعقول المفارقة ، والقسمان الأولان ممكنان إذا أعد تلك المادّة معدّ فتستعد لنيل الفيض ، من ذلك الفاعل فيحدث فيها ذلك الأثر ، مثاله من الطّبيعية أن الشمس موجودة بالفعل فيّاضة للنور لا قصور فيها ولا تعذر في جهتها في إعطاء النور فإذا لم يستضئ بها شئ فلقصور في استعداده بأن لا يكون متلوّنا أو لا يكون في مقابلتها ، أو يكون بينه وبينها حجاب ، فإذا أعدّه معد بأن يحصل له هذه الشرائط ويزيل عنه الموانع ، فإنه يفيض النور من الشمس عليه من غير توقف ولا تخلّف لكن هذا لا يوجب تغيرا في الفاعل لأن ذلك التخلّف لم يكن لفوات أمر في الفاعل حتى ينسب إليه تغير بل لنقصان في القوابل ، وحدوث الصور والأعراض في المادة السفلية ليس إلا على هذا الوجه ، فان الحركات الأولية تهيّئ هذه المادّة لقبول تلك الأشياء فيحدث منهم فيها على حسب كل قابل ما يليق به من غير تغير في الفاعل أصلا إذ لم يتخلّف ما تخلّف إلا لقصور في القابل لا لفوات صفة في الفاعل .
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 51
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٥١