لم يكن الفلك أيضا داخلا في المتحرّك من تلقائه ، وإن أخذ هكذا - وهو أن يكون له مع ذلك أن لا يتحرّك إذا شاء كان داخلا فيه مثل الفلك ، ولا يلزم من صدق قولنا :
إذا شاء أن لا يتحرّك فإنه لا يتحرّك ، إمكان أن يقع تلك المشيئة فيشاء أن لا يتحرّك وذلك لا يلزم من صدق الشرطية صدق الحملية كما بيّنوه في المنطق ، ومنهم من فسرّ المتحرّك من تلقائه بالمتحرّك الذي لا يكون سبب حركته خارجا عنه قاسرا بل يكون إما داخلا فيه أو متعلّقا به ، وهم المحقّقون من الحكماء ، فعلى هذا يدخل فيه الفلك والنبات والحيوان والبسائط المتحرّكة بالطبيعة ، وتخرج عنه الحركات القسرية والعرضية ، وهو الذي اختاره صاحب الكتاب ، ومنهم من شرط في هذا التفسير أن تكون تلك الحركة بالإرادة فتخرج عنه الحركات التسخيرية وهي حركة النفس النباتية ، والحركات الطبيعية ، وتبقى الحركات الفلكية والحيوانية فحسب ، وأنت مخيّر في هذه الإطلاقات إذ لا مشاحّة في الألفاظ ، وإن كان الأشبه هو ما ذكره في هذا الكتاب .
* * *
[ المقدّمة الثّامنة عشرة : أنّ كلّ ما يخرج من القوّة إلى الفعل ، فمخرجه غيره ]
« المقدّمة الثّامنة عشرة : أنّ كلّ ما يخرج من القوّة إلى الفعل ، فمخرجه غيره ، وهو خارج عنه ضرورة ؛ لأنّه لو كان المخرج فيه ولم يكن ثمّة مانع لما وجد بالقوّة وقتا ما ، بل كان يكون بالفعل دائما ، فإن كان مخرجه فيه وكان له مانع فارتفع ، فلا شكّ أنّ مزيل المانع هو الّذى أخرج تلك القوّة إلى الفعل ، فافهم هذا » .
( الشرح ) : هذه مقدّمة شريفة عظيمة النفع ، تحتها أسرار لطيفة ، ومعان دقيقة فلنبسط الكلام فيها فنقول : أن كل ما يخرج من القوّة إلى الفعل يكون على ثلاث مراتب :