فوق وحركة الأرض إلى أسفل ، وإما أن لا يكون الجسم المتحرّك قاصدا إلى جهة معيّنة بل جاز أن يتحرّك إلى أىّ جهة اتفّقت ، فليس تحركه إلى بعض الجهات بأولى من الحركة إلى سائر الجهات ، فاما أن يتحرّك دفعة إلى جهات مختلفة فهو محال ، أو لا يتحرّك إلى شئ منها ، فلا يصلح أن يكون الجسم وحده موجبا لحركة نفسه ، وثالثها - لو كان الجسم يتحرّك لأنه جسم لاستحال سكونه لأن ما بالذات دائم بدوام الذات . ورابعها - هو أن الجسم قابل للحركة فلا يكون فاعلا لها لأن القابل لا يكون هو الفاعل .
وأما القسم الثاني من أصل الكلام : وهو أن يكون الجسم إنما يتحرّك لأنه جسم ما ، فحينئذ يكون المحرّك تلك الخصوصيّة لا الجسم من حيث هو جسم فقد ظهر من هذا أن كل جسم متحرّك فإنما محركه شئ غير كونه جسما ، ولا ينقض هذا الأصل بالحيوان ، فان الفاعل لحركته هو النفس دون الجسم ، وهي صورة وراء الجسم ، إما مجرّدة كما في الإنسان أو مقارنة للمادة كما في الحيوانات ، لكن لمّا كانت النفس خفية الذات غير محسوسة ظن أنه يتحرّك بجسمه من غير محرّك وهو محال .
البحث الثاني في تقسيم المحرك ، وتفسير المتحرّك من تلقائه ، فنقول : المحرّك إما أن يكون خارجا عن الجسم الذي يحرّك ، وهو التحريك القسري مثل تحريك الإنسان حجرا ، أو يكون داخلا فيه متعلّقا به ، وهو إما أن يكون بالإرادة أو بالتسخير من غير إرادة ، وعلى التقديرين فاما أن تكون تلك التحريكات متّحدة على نسق واحد ، أو مختلفة فيحصل أربعة أقسام ، ونحن قد استوفينا فيه الكلام في المقدّمات السالفة فلا نعيده .
وأما تفسير المتحرّك من تلقائه ، فالحكماء مختلفون في استعمال هذا اللفظ ، فمنهم من جعل المتحرّك من تلقائه هو الذي له أن يتحرّك بالطبع حركة غير تلك الحركة التي هو بها متحرّك ، وتلك الحركة مع ذلك لا تكون عن سبب من خارج فعل ، ومنهم من يدخل النّبات في جملة المتحرّك من تلقائه ويخرج الفلك من أن يكون متحرّكا من تلقائه ، وهم مع ذلك يمنعون أن يخرج الفلك من ذلك فليس هذا التفسير موافقا لرأيهم ، ومنهم من زاد على هذا التفسير قيدا آخر ، وهو أن يكون له مع ذلك أن لا يتحرّك ، فان أخذ القيد مطلقا
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 48
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٤٨