الأولى : منها أن يكون ذلك الشئ معدوما فيصير موجودا مثل أن الحرارة معدومة في الماء ولكنها قابلة للوجود فإذا أوجدها الفاعل صارت موجودة فيه ، فيقال إنها خرجت من القوّة إلى الفعل .
والثانية : هو أن يكون الشئ موجودا بالفعل في ذاته ويمكن أن يكون له صفة ما إما صورة أو عرض ولكنها لا تكون موجودة فيه ، فيقال لذلك الشئ الموجود بالفعل بحسب إمكان حصول تلك الصّفة له : إنه بالقوّة كذا فإذا وجدت له تلك الصّفة يقال : إنه صار بالفعل ، مثل الماء فإنه موجود بالفعل في ذاته ، ويمكن أن يتّصف بالحرارة فقبل وجودها له يقال : إن الماء حارّ بالقوّة فإذا وجدت له يقال : إنه صار حارا بالفعل .
والثالثة أن يكون الشئ موجودا بالفعل كامل الذّات تام الصّفات ويمكن أن يحدث منه شئ آخر لا موجودا فيه بل مفارقا عنه ، فقبل حدوثه عنه يقال لذلك الموجود إنه فاعل للشئ الآخر بالقوّة فإذا حدث عنه يقال له صار فاعلا له بالفعل ؛ وهذا القسم عظيم الشأن جدّا ، والكلام فيه طويل ، والاختلاف فيه كثير ، ويبنى عليه كثير من أمّهات المسائل : مثل حدوث العالم وقدمه .
فلنتكلّم أولا في القسمين الأولين ثم نلوّح إلى الثالث تلويحا يليق بهذا الموضع ونذكر تمامه في المقدّمات الآتية إن شاء اللّه تعالى .
فنقول : كل ما يخرج من القوّة إلى الفعل على الوجهين الأولين فله مخرج يخرجه من القوّة إلى الفعل ، لأن ذلك الشئ ممكن لذاته ولمحلّه ، فنسبة الوجود والعدم إليه على السّوية ، فيحتاج إلى مرجّح يرجّح وجوده على عدمه ، ومرجّح وجود الشئ على عدمه مخرج له من القوّة لا محالة ، وهذا المرجّح المخرج قد يكون خارجا عن ذات ذلك الشئ الذي هو بالقوّة كالنار بالنسبة إلى الماء ، وقد يكون داخلا فيه ساريا ، مثل القوى الطّبيعيّة الكامنة فيها ، والقسم الثاني إن لم يتخلّف عنه تأثيره بأن يظلّ موجودا بالفعل دائما ، فلا يكون محلّه بالقوة في وقت من الأوقات ، وكلامنا فيما يكون وقتا ما
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 50
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٥٠