[ المقدّمة السّابعة عشرة : هي أنّ كلّ متحرّك فله محرّك ضرورة ]
« المقدّمة السّابعة عشرة : هي أنّ كلّ متحرّك فله محرّك ضرورة إمّا خارج عنه ، كالحجر تحرّكه اليد ، أو يكون محرّكه فيه ، كجسم الحيوان ، فإنّه مؤلّف من محرّك ومتحرّك ، ولذلك إذا مات وعدم منه المحرّك - وهي النّفس - يبقى المتحرّك - وهو الجسد - في الحيّز كما كان ، إلّا أنّه لا يتحرّك تلك الحركة ، فلمّا كان المحرّك الموجود في المتحرّك خفيّا لا يظهر للحسّ ظن بالحيوان أنّه متحرّك دون محرّك . فكلّ متحرّك يكون محرّكه فيه ، فهو الّذى يسمّى المتحرّك من تلقائه ، معناه : أنّ القوّة المحرّكة لما يتحرّك منه بالذّات موجودة في جملته » .
( الشرح ) : اعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين : أحدهما ، في بيان أن كل متحرّك فله محرّك غيره ، وثانيهما - في تقسيم المحرّك وتغير المتحرّك من من تلقائه .
البحث الأول ، في بيان أن كل متحرّك فله محرّك غيره . دليله هو أن الجسم إذا تحرّك فاما أن يتحرّك لأنه جسم أو لأنه جسم ما ، والأول باطل من وجوه : أحدها ، هو أنه لو كان كذلك لكان كل جسم متحرّكا دائما لأن العلة إذا كانت دائمة لكان المعلول دائما بدوامها ، وليس كذلك . وثانيها ، أن الجسم إن كان متحرّكا لأنه جسم فلا يخلو إما أن يكون قاصدا إلى جهة معيّنة أو لا يكون ، والأول - باطل من وجهين : أحدهما أنه يجب أن يسكن إذا وصل إليها ، فحينئذ لا تكون الجسميّة وحدها علّة للحركة ، وإلا لما سكن وقد فرضناه كذلك ، هذا خلف . وثانيهما أنه يلزم أن يكون كل جسم قاصدا إلى تلك الجهة بعينها ، ونحن نرى الأجسام متحرّكة إلى جهات متقابلة كحركة النار إلى