ذلك الشّخص بعينه فلا تكون أشخاصها متعدّدة بل يكون نوعها في شخصها ، والمفروض خلافه ، وإن كان غيرها وهو من عوارضها فلا بدّ له من علّة ، فعلّته إما أن تكون تلك الماهيّة أو ما يكون حالا فيها ، أو ما يكون محلا لها أو ما لا يكون حالا فيها ولا محلا لها لكن له علاقة ما مع الماهيّة ، أو ما لا يكون له ذلك التعلّق بالماهيّة أصلا . والقسم الأول محال ، وإلا لكان نوعها في شخصها فلا يكون تحتها تعدّد أشخاص وهو خلاف ما نحن فيه . والقسم الثاني أيضا محال لأن شخص الحالّ بعد تشخّص المحلّ بعدّية بالذات فلا يكون هو علّة لما هو قبله بالذات . وأما القسم الثالث والرابع ، فهما صحيحان ، مثال القسم الثالث القوى الجسمانيّة من الأعراض والصور . ومثال القسم الرابع النفوس الناطقة فان هذه الأمور تتعدّد وتتشخّص بحسب تعدد متعلّقاتها من الموادّ والأبدان للاستعداد الذي يحدث فيها .
والقسم الخامس أيضا محال ، لأن ما لا يكون له تعلّق بالماهيّة أصلا ولا بأشخاصها فنسبته إليها على السّوية ، فمن المحال أن يقتضى عددا منها دون عدد إلا لسبب ، فيعود التقسيم المذكور فيه ، فلا بدّ من الانتهاء إلى أحد قسمي الثالث والرابع ، فقد حصل من هذا أن كل ماهية تعدّدت أشخاصها فتلك الماهيّة ، إما مادّية ، كالقوى الجسمانية من الصور والأعراض ، أو متعلقة بالمادّة بضرب من التعلّق كالنفوس الناطقة ، فالمجرّدات الصّرفة والمفارقات المحضة لا يمكن أن تتعدّد أشخاصها البتة بل - تكون أنواعها في أشخاصها ، إما بأن تكون تشخصها نفس ماهيتها كما في حق واجب الوجود لذاته ، أو بأن تكون ماهيته كافية في فيضانها وتشخّصها عن واجب الوجود ، كالجواهر العقلية المنزهة عن التعلّق بالمادّة ، إذ لا تعدّد في الفاعل الأول - ولا اختلاف في ماهياتها وليس لها قوابل ولا ما يشبه القوابل ولا تتعد في أشخاصها التي تكون تحت نوع واحد بل تكون أنواعها في أشخاصها ، نعم يحصل التعدّد في سلسلة العليّة التي منها تكون عليّة بعضها لبعض فتحصل كثرة ولكنها لا تكون تحت نوع واحد بل يكون كل واحد منها نوعا مغايرا لغيره .
* * *
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 46
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٤٦