[ المقدّمة الثّالثة عشرة : أنّه لا يمكن أن يكون شئ من أنواع التّغيّر متّصلا ]
« المقدّمة الثّالثة عشرة : أنّه لا يمكن أن يكون شئ من أنواع التّغيّر متّصلا إلّا حركة النّقلة فقط ، والدّوريّة منها » .
( الشرح ) : اعلم أن الغرض من تصحيح هذه المقدّمة إنما هو إثبات أنّ الزّمان إنما يستحفظ بالحركة الوضعية ، وهي الحركة الدورية لأنا سنبين في المقدّمة التي بعد هذه أن الزّمان من لواحق الحركة وأنه متصل دائم غير منقطع ، وما عدا الحركة الوضعية من أنواع الحركات والتغيّرات منقطعة غير متصلة فيلزم أن يكون الحافظ للزمان إنما هو الحركة الدّورية ، دون سائر أنواع الحركات . وبيان ذلك هو أن التغيّر إما أن يكون دفعة أولا دفعة ، والتغيّر الذي يكون دفعة لا يمكن أن يكون متصلا ، لأنه إن أحدث تغيّرا واحدا فلا شكّ في عدم اتّصاله ودوامه ، وإن أحدث تغيّرات كثيرة كلّ واحد منها بعد أخرى فلا يمكن أيضا أن يكون متّصلا لأن كلّ واحد منها يحدث في آن فلو اتصلت متوالية لزم تتالى الآنات وهو محال كما سيأتي . وأما التغير الذي لا يكون دفعة بل يكون على التّدريج فهو الحركة وقد بيّنا أنها إنما تقع في اربع مقولات الكم والكيف والأين والوضع ، فلنبيّن أنه لا يمكن أن يكون شئ من أنواع الحركات دائما إلا الحركة التي تقع في مقولة الوضع ، وهي الحركة الدّورية منها ، أما الحركة في مقولة الكيف - وهو الاستحالة - فلأنها عبارة عن أن يتغيّر الجسم من ضدّ إلى ضدّ مثل تغيّره من الحرارة إلى البرودة ، ومن البياض إلى السواد ، ومن الحموضة إلى الحلاوة يسيرا يسيرا ، وكذا غيرها من الكيفيات ، فيكون كون الجسم في تلك المراتب من التغير محصورا بين الحاصرين ، وهما الكيفيتان اللتان إحداهما متحرك عنها ، والأخرى متحرك إليها فتكون الاستحالة متناهية ضرورة فقد ثبت أن الحركة في مقولة الكيف يجب أن تكون متناهية . وأما الحركة في مقولة الكم كالنّموّ والاضمحلال فلأن هذه الحركة لا تنتقل عن الحركة في مقولة الأين فتتناهى بتناهيها . وبيان أن الحركة في الأين متناهية ومنقطعة غير متّصلة هو أن الحركة في الأين هي الحركة المستقيمة ، وقد بينا قبل أن الجهات متناهية ، فتكون كل حركة مستقيمة