إلا وتسبقه حركة النّقلة وخصوصا الوضعية منها ، ومنها الحركة الدّورية ، بيانه هو أن الحركة في الكم إن كانت نموا فإنها تحتاج إلى حركة النّقلة ، وهي حركة الأجزاء التي هي شبيهة بالمغتذى بالقوّة فتنتقل إليه ، وتندرج فيه طولا وعرضا وعمقا على تناسب محفوظ حتى ينمو المغتذى ويتحرك في كميته إلى كمال نشوئه وتمامه فإذن لا نمو إلا وتتقدمه حركة النقلة ، وأما الذّبول فلأنه لا بدّ وأن يتخلّل شئ من اجزاء الذّابل ، حتى يتقلّص هو ناقصا في كميته إلى الذبول والاضمحلال ، والشئ المتخلّل لا بدّ من أن ينفصل ويتحرك إلى مكان آخر ، فإذا ما لم تتحرك تلك الأجزاء المتخلّلة حركة النقلة لا يحصل الذبول ، وأما التخلّل والتكاثف فإنهما لا ينفكّان عن الاستحالة ، إذا الشئ المتخلّل يرق قوامه ، والمتكاثف يغلظ قوامه ، ورقة القوام وغلظته كيفيتان ، فاذن لا بد للتخلّل والتكاثف من الاستحالة ، وهي الحركة في الكيف ، فلنبيّن أن الاستحالة لا توجد إلا بعد حركة النقلة .
وبيانه أن المستحيل إما أن يستحيل بالطّبع أو بالقسر ، والأول على قسمين أحدهما ، استحالة البسائط بالطبع كاستحالة الماء المسخن إلى البرودة ، وثانيهما استحالة المركّبات بالطبع كاستحالة الحصرم من الحموضة إلى الحلاوة .
أما استحالة البسائط بالطبع ، فلأنها يجب أن تكون خارجة عن الكيفية الطّبيعية حتى يمكن أن تردها طبائعها إلى تلك الكيفيّة ، وخروجها عن الكيفيات الطبيعيّة لا يكون بالطبع فلا بد من عروض محيل قاسر عليها أولا لتحيلها إلى الكيفية الخارجة عن الطبع ثم مفارقته عنها لتعود طبائعها رادة أجسامها إلى الكيفيات الطّبيعية كالماء يقرب منه النار فتسخنه ثم تبعد عنه فيعود إلى البرودة طبعا فتكون هذه الاستحالة قد تقدمها قرب المحيل ، وبعده من المستحيل ، وهو حركة النقلة .
وأما استحالة المركبات ، فلأنها إنما تكون بعد حصول التركيب من اجتماع أجسام مختلفة الطبائع مختلفة الأحياز الطبيعية ، وذلك لا يتحصّل إلا بحركة النّقلة ، وأما الاستحالة بالقسر ، فلأن القاسر من لوازم المقسور فهي في الحقيقة استحالة بالطبع ، وقد سبق
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 40
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٤٠