أنّ كلّ جسم فهو متناهي المقدار ، والقوّة مقدّرة بمقدار الجسم بالعرض فمقدارها أنما هو مقدار الجسم ، فتكون متناهية المقدار أيضا كالحرارة فإنها تكون مقدّره بمقدار الجسم إذ يوجد في كل جزء من الجسم الحارّ جزء من الحرارة فتكون متناهية المقدار ضرورة .
واعلم أن الفائدة في إثبات التّناهى للقوى الجسمانيّة بحسب تناهى محالها انما هي إثبات التّناهى في التحريكات الصّادرة عنها ليثبت أن القوى الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية ، وفي هذا فوائد كثيرة ، وخصوصا في إثبات المجردات كما سيأتي . فنحن نريد أن نبحث عنه ونبرهن على أن القوى الجسمانيّة متناهية في أفعالها فنقول إن القوّة لما لم تكن في حدّ ذاتها ذات كميّة فلا يحمل عليها التّناهى أو اللاتناهي - الذي يراد به العدول دون السّلب - اللذان هما ليسا من خواص الكم إلا باعتبار تعلقهما بما يكون ذا كميّة ، وذلك إما الجسم الذي هو محلها أو التحريكات التي تصدر عنها . أما الأول فقد ذكرناه ، وأما الثاني وهو أن يحمل عليها التناهي أو اللاتناهي باعتبار القوى عليه فذلك عن ثلاثة أوجه :
الشّدّة والعدّة والمدّة . مثال الشّدة هو أن يكون أحد الراميين أسرع رمية بعد اتحاد هما في المسافة والشروع في الرمي ، ومثال العدّة أن يكون أحد الراميين أكثر عددا في الرميات على التوالي ، ومثال المدّة هو أن يكون أحد الراميين أطول زمانا في الرمي إلى الجو بعد الاتحاد في الشروع ، فلنبين أن القوى الجسمانية متناهية بحسب هذه الوجوه الثلاثة أما بحسب الشدة فلأن القوّة لو اشتدّ تحريكها للجسم اشتدادا بغير نهاية فإما أن تقع تلك الحركة في زمان أولا في زمان ، والقسمان باطلان فبطل اللاتناهي بحسب الشدة . أما فساد القسم الأول فلأن الحركة كلما كانت أشد وأسرع في مسافة معيّنة كان زمانه أقصر فلو كان في زمان لأمكن فرض حركة أخرى قاطعة لتلك المسافة المعينة في زمان أقصر من ذلك الزمان ، فكانت تلك الحركة أشدّ من الحركة المشتدّة بغير نهاية فحينئذ يلزم انقطاع الحركة الغير المتناهية من الجانب الذي هي غير متناهية بحسبه فلا تكون غير متناهية هذا خلف .
وأما فساد القسم الثاني فلأن كلّ حركة فهي على مسافة فتكون الحركة إلى نصفها قبل
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 36
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٣٦