[ المقدّمة الثّالثة : هي أنّ وجود علل ومعلولات لا نهاية لعددها محال ]
« المقدّمة الثّالثة : هي أنّ وجود علل ومعلولات لا نهاية لعددها محال ، ولو لم تكن ذوات عظم ، مثال ذلك أن يكون هذا العقل سببه عقل ثان وسبب الثاني ثالث ، وسبب الثالث رابع ، وهكذا إلى غير نهاية ، وهذا أيضا بيّن الاستحالة » .
( الشرح ) : اعلم أن المعلوم اما واجب لذاته ، أو ممتنع لذاته ؛ أو ممكن لذاته ، والواجب لذاته هو الموجود الذي لا تكون ذاته قابلة للعدم أصلا مع قطع النظر عن غيره بل يكون ضروري الوجود لذاته ، والممتنع لذاته هو الذي لا يكون قابلا للوجود أصلا بل يكون ضرورىّ العدم لذاته ، والممكن لذاته هو الذي يقبل الوجود والعدم ، فلا يكون ضرورىّ العدم ولا ضرورىّ الوجود ، ومن المعلوم بالضرورة أن الواجب لذاته لا يحتاج إلى علة توجده لأن الوجود ضرورىّ له ، والممتنع أيضا لا ينسب إلى السبب لتحصيل الوجود ، والممتنع يأبى قبول الوجود ، فمن البيّن الواضح انّ المحتاج إلى علة توجده انما هو الممكن لذاته ، لأنه لما كان نسبة الوجود والعدم إليه على السّوية ، فلا يترجّح الوجود على العدم ، ولا العدم على الوجود له ، إلا لوجود شئ آخر يرجّح وجوده على عدمه ، وعند عدمه يبقى الممكن معدوما ، فالشىء ، الذي يحصل من وجوده وجود شئ آخر متقوّما به ، وعند عدمه ينعدم ذلك الآخر يسمّى علة وسببا ، ويسمّى ذلك الآخر معلولا ومسبّبا .
إذا عرفت هذا فاعلم أن المقصود من هذه المقدّمة هو بيان تناهى سلسلة العل والمعلولات ، وانتهائها إلى علة لا تكون معلولة أصلا بل تكون واجبة الوجود لذاتها ، وصحّة المقدمة الأولى والثانية لا تكون كافية في تصحيح هذه المقدمة لأن المعلوم من تينك المقدّمتين إنما هو تناهى أمور لها وضع وحيّز وهي الأجسام ، والعلل والمعلولات فد لا تكون أجساما بل تكون موجودات مجرّدة عن المادة والجسمية غير متعلّقة بها تسمّى عقولا كما سيأتي