العشر التي حرّرها الحكماء في العلم الكلّى من الفلسفة الأولى ، وتلك الأربع هي الجوهر والكمّ والكيف والأين ، فالتغيّر الذي يقع في الجوهر مثل ان يصير الماء هواء ، والهواء نارا ، والنار أرضا ، أو بالعكس ، ويسمّى هذا التغيّر كونا للنوع الذي يحدث ، وفسادا للنوع الذي زال ، هذا في البسائط ، وأما في المركبات فمثل أن تصير الحنطة دما ، والدم لحما وعظما وعصبا ، وكما يصير النّحاس عند احتراقه كلسا ، والخشب رمادا وهذا التغيّر يكون دفعة إذ الحركة لا تقع في مقولة الجوهر لأن الحركة تحتاج إلى الاشتداد والتنقّص ، والجوهر لا يقبلهما . فالكون والفساد يكونان دفعة ، وقد يظنّ ان الكون قد يقع بالتدريج يسيرا يسيرا مثل تكوّن الجنين من النطفة ، وليس بحق ، فان ذلك حركة في الكيف ، وهو حدوث المزاج مع توابعه ولا شكّ أنها كيفيّات ، ثم إذا تمّ المزاج بتوابعه فإنه يحدث نفس الحيوان دفعة من غير تدريج .
وأما التغيّر في الكمّ فهو أن يصير مقدار الجسم أزيد مما كان أو أنقص مما كان ، وكل واحد منهما أيضا على قسمين لأن تلك الزيادة والنقصان قد تكون بانضمام جسم آخر إليه بقوّة طبيعية ويسمّى نموا كالنبات إذا زاد مقداره ، إذا انضمّ اليه غذاؤه بقوّته الطبيعيّة النامية . وفد تكون بانتقاص جزء منه ، ويسمّى اضمحلالا وذبولا ، وهو في مقابلة النّموّ ، كالنبات فإنه ينقص مقداره بالذّبول والاضمحلال ، وهذان القسمان ذكر هما صاحب الكتاب فحسب ، وقد يزيد مقدار الجسم وينقص لا بانضمام جزء إليه أو انتقاصه منه ، ولكن بأن يزول عن الهيولى مقداره ، ويحدث فيه إما مقدار أكبر مما كان ويسمّى تخلخلا ، أو مقدارا أصغر مما كان ويسمّى تكائفا .
مثال التخلخل : هو أن يمصّ كوز الفقّاع مثلا إذا كان خاليا فينبسط الهواء الذي فيه لضرورة عدم الخلاء ، فإذا كبّ على الكوز ماء تكائف ذلك الهواء إلى مقداره الأول فلذلك يدخل فيه الماء مع أنه ليس من طبيعة الماء الصعود ولكن لما زال القاسر عن الهواء تقبض طبعا إلى مقدار نفسه فتبعه الماء بمقدار ما تخلخل الهواء بالمصّ .
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 21
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٢١