وإن أراد به غريزة العقل فممنوع ، لا بدّله من بيان أن هذا الحكم صادر عن مجرد غريزة العقل دون تخليط الوهم التابع للحسّ ، بل هو بالعكس ، لأنه قد قام على خلافه البراهين العقليّة التي ذكرناها ، وخصوصا الأخير منها ، كما قامت الأشكال الهندسيّة على خلاف الوهم والحسس ، فهذا آخر ما نتكلّم فيه لتصحيح هذه المقدّمة ، واللّه الهادي بفضله للصواب .
* * *
[ المقدّمة الثّانية : هي أن وجود أعظام لا نهاية لعددها محال ]
« المقدّمة الثّانية : هي أن وجود أعظام لا نهاية لعددها محال ، وهو أن تكون موجودة معا » ( الشرح ) : اعلم أن المقصود من المقدمة الأولى إنما كان بيان تناهى الأجسام في المقدار ، والمقصود من هذه المقدمة بيان تناهيها في العدد ، لأنه لو كانت الأجسام غير متناهية في العدد لكانت غير متناهية في المقدار . برهانه أن فساد التالي يدلّ على فساد المقدم .
بيان الشرطية أن كل جسم فله مقدار ما ، فإذا زدنا عليه جسما آخر كان مجموع مقداريهما أعظم مما كان قبل الزيادة ، وهكذا لو زدنا عليه جسما آخر ، لا إلى نهاية ، فيكون ازدياد عدد ذوات المقادير بعضها على بعض موجبا لازدياد المقدار ، فإذا كان العدد غير متناه وازدياد المقدار بحسبه فالمقدار أيضا غير متناه ضرورة ، لأن درجات الكبر في المقدار من لوازم مراتب الكثرة في العدد .
وأما بيان فساد التالي فقد سلف منا بيانه في المقدمة الأولى فوجب أن تكون الأجسام متناهية العدد ، كما أنها متناهية المقدار ، وهو المطلوب ، واللّه أعلم .
* * *